فالهداية كلها لله إما بلا واسطة أو بواسطة الهداة المهديين من خلقه وعلى هذا فمن أضله من خلقه بأن لم يهده بالواسطة ولا بلا واسطة فلا هادي له وذلك قوله في ذيل الآية:"و من يضلل الله فما له من هاد"وسيأتي الجملة بعد عدة آيات وهي متكررة في كلامه تعالى.
قوله تعالى:"أ فمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون"مقايسة بين أهل العذاب يوم القيامة والآمنين منه والفريقان هما أهل الضلال وأهل الهدى ولذا عقب الآية السابقة بهذه الآية.
والاستفهام للإنكار وخبر"من"محذوف والتقدير كمن هو في أمن منه ، ويوم القيامة متعلق بيتقي ، والمعنى أ فمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة لكون يده التي بها كان يتقي المكاره مغلولة إلى عنقه كمن هو آمن من العذاب لا يصيبه مكروه.
كذا قيل.
وقيل: الاتقاء بوجهه بالمعنى المذكور لا وجه له لأن الوجه ليس مما يتقى به بل المراد الاتقاء بكليته أو بخصوص وجهه سوء عذاب يوم القيامة ويوم القيامة قيد للعذاب والمراد عكس الوجه السابق ، والمعنى أ فمن يتقي سوء العذاب الذي يوم القيامة في الدنيا بتقوى الله كالمصر على كفره ، ولا يخلو من التكلف.
وقوله:"و قيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون"القول لملائكة النار ، والظاهر أن الجملة بتقدير قد أو بدونه والأصل وقيل لهم ذوقوا"إلخ"لكن وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على علة الحكم وهي الظلم.
قوله تعالى:"كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون"أي من الجهة التي لا يحتسبون ففوجئوا وأخذوا على غفلة وهو أشد الأخذ ، وفي الآية وما بعدها بيان لما أصاب بعض الكفار من عذاب الخزي ليكون عبرة لغيرهم.
قوله تعالى:"فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون"الخزي هو الذل والصغار ، وقد أذاقهم الله ذلك في ألوان من العذاب أنزلنا عليهم كالغرق والخسف والصيحة والرجفة والمسخ والقتل.
قوله تعالى:"و لقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون"أي ضربنا لهم من كل نوع من الأمثال شيئا لعلهم يتنبهون ويعتبرون ويتعظون بتذكر ما تتضمنه.
قوله تعالى:"قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون"العوج الانحراف والانعطاف ،"قرآنا عربيا"منصوب على المدح بتقدير أمدح أو أخص ونحوه أو حال معتمد على الوصف.
قوله تعالى:"ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان"إلخ ، قال الراغب: الشكس - بالفتح فالكسر - سيىء الخلق ، وقوله:"شركاء متشاكسون"أي متشاجرون لشكاسة خلقهم.
انتهى وفسروا السلم بالخالص الذي لا يشترك فيه كثيرون.
مثل ضربه الله للمشرك الذي يعبد أربابا وآلهة مختلفين فيشتركون فيه وهم متنازعون فيأمره هذا بما ينهاه عنه الآخر وكل يريد أن يتفرد فيه ويخصه بخدمة نفسه ، وللموحد الذي هو خالص لمخدوم واحد لا يشاركه فيه غيره فيخدمه فيما يريد منه من غير تنازع يؤدي إلى الحيرة فالمشرك هو الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون والموحد هو الرجل الذي هو سلم لرجل.
لا يستويان بل الذي هو سلم لرجل أحسن حالا من صاحبه.
وهذا مثل ساذج ممكن الفهم لعامة الناس لكنه عند المداقة يرجع إلى قوله تعالى:"لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا:"الأنبياء: - 22 وعاد برهانا على نفي تعدد الأرباب والآلهة.
وقوله:"الحمد لله"ثناء لله بما أن عبوديته خير من عبودية من سواه.
وقوله:"بل أكثرهم لا يعلمون"مزية عبادته على عبادة غيره على ما له من الظهور التام لمن له أدنى بصيرة.
قوله تعالى:"إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون"الآية الأولى تمهيد لما يذكر في الثانية من اختصامهم يوم القيامة عند ربهم والخطاب في"إنكم"للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمته أو المشركين منهم خاصة والاختصام - كما في المجمع ، - رد كل واحد من الاثنين ما أتى به الآخر على وجه الإنكار عليه.
والمعنى: إن عاقبتك وعاقبتهم الموت ثم إنكم جميعا يوم القيامة بعد ما حضرتم عند ربكم تختصمون وقد حكى مما يلقيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) "و قال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا:"الفرقان: - 30.