و الآيتان عامتان بحسب لفظهما لكن الآيات الأربع التالية تؤيد أن المراد بالاختصام ما يقع بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين الكافرين من أمته يوم القيامة.
قوله تعالى:"فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أ ليس في جهنم مثوى للكافرين"في الآية وما بعدها مبادرة إلى ذكر ما ينتهي إليه أمر اختصامهم يوم القيامة وتلويح إلى ما هو نتيجة القضاء بينهم كأنه قيل: ونتيجة ما يقضى به بينكم معلومة اليوم وأنه من هو الناجي منكم ، ومن هو الهالك؟ فإن القضاء يومئذ يدور مدار الظلم والإحسان ولا أظلم من الكافر والمؤمن متق محسن والظلم إلى النار والإحسان إلى الجنة.
هذا ما يعطيه السياق.
فقوله:"فمن أظلم ممن كذب على الله"أي افترى عليه بأن ادعى أن له شركاء والظلم يعظم بعظم من تعلق به وإذا كان هو الله سبحانه كان أعظم من كل ظلم ومرتكبه أظلم من كل ظالم.
وقوله:"و كذب بالصدق إذ جاءه"المراد بالصدق الصادق من النبإ وهو الدين الإلهي الذي جاء به الرسول بقرينة قوله:"إذ جاءه".
وقوله:"أ ليس في جهنم مثوى للكافرين"المثوى اسم مكان بمعنى المنزل والمقام ، والاستفهام للتقرير أي إن في جهنم مقام هؤلاء الظالمين لتكبرهم على الحق الموجب لافترائهم على الله وتكذيبهم بصادق النبإ الذي جاء به الرسول.
والآية خاصة بمشركي عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو بمشركي أمته بحسب السياق وعامة لكل من ابتدع بدعة وترك سنة من سنن الدين.
قوله تعالى:"و الذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون"المراد بالمجيء بالصدق الإتيان بالدين الحق والمراد بالتصديق به الإيمان به والذي جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقوله:"أولئك هم المتقون"لعل الإشارة إلى الذي جاء به بصيغة الجمع لكونه جمعا بحسب المعنى وهو كل نبي جاء بالدين الحق وآمن بما جاء به بل وكل مؤمن آمن بالدين الحق ودعي إليه فإن الدعوة إلى الحق قولا وفعلا من شئون اتباع النبي ، قال تعالى:"قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني:"يوسف: - 108.
قوله تعالى:"لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين"هذا جزاؤهم عند ربهم وهو أن لهم ما تتعلق به مشيتهم فالمشية هناك هي السبب التام لحصول ما يشاؤه الإنسان أيا ما كان بخلاف ما عليه الأمر في الدنيا فإن حصول شيء من مقاصد الحياة فيها يتوقف - مضافا إلى المشية - على عوامل وأسباب كثيرة منها السعي والعمل المستمد من الاجتماع والتعاون.
فالآية تدل أولا على إقامتهم في دار القرب وجوار رب العالمين ، وثانيا أن لهم ما يشاءون فهذان جزاء المتقين وهم المحسنون فإحسانهم هو السبب في إيتائهم الأجر المذكور وهذه هي النكتة في إقامة الظاهر مقام الضمير في قوله:"ذلك جزاء المحسنين"وكان مقتضى الظاهر أن يقال: وذلك جزاؤهم.
وتوصيفهم بالإحسان وظاهره العمل الصالح أو الاعتقاد الحق والعمل الحسن جميعا يشهد أن المراد بالتصديق المذكور هو التصديق قولا وفعلا.
على أن القرآن لا يسمي تارك بعض ما أنزله الله من حكم مصدقا به.
قوله تعالى:"ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا"إلى آخر الآية ومن المعلوم أنه إذا كفر أسوأ أعمالهم كفر ما دون ذلك ، والمراد بأسوإ الذي عملوا ما هو كالشرك والكبائر.
قال في المجمع البيان ، في الآية: أي أسقط الله عنهم عقاب الشرك والمعاصي التي فعلوها قبل ذلك بإيمانهم وإحسانهم ورجوعهم إلى الله تعالى انتهى وهو حسن من جهة تعميم الأعمال السيئة ، ومن جهة تقييد التكفير بكونه قبل ذلك بالإيمان والإحسان والتوبة فإن الآية تبين أثر تصديق الصدق الذي أتاهم وهو تكفير السيئات بالتصديق والجزاء الحسن في الآخرة.
وقوله:"و يجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون".
قيل: المراد أنه ينظر إلى أعمالهم فيجازيهم في أحسنها جزاءه اللائق به وفي غير الأحسن يجازيهم جزاء الأحسن فالباء للمقابلة نحو بعت هذا بهذا.
ويمكن أن يقال: إن المراد أنه ينظر إلى أرفع أعمالهم درجة فيترفع درجتهم بحسبه فلا يضيع شيء مما هو آخر ما بلغه عملهم من الكمال لكن في جريان نظير الكلام في تكفير الأسوإ خفاء.