فهرس الكتاب

الصفحة 3588 من 4314

و الفرق بين هذا الملك وما في الوجه السابق أن المالك لا يتصف بمملوكه في الوجه السابق كما في ملك زيد للدار بخلاف الملك في هذا الوجه فإن المالك فيه يتصف بمملوكه كملك زيد الشجاع لشجاعته.

وقوله:"ثم إليه ترجعون"تعليل آخر لكونه يملك الشفاعة جميعا الدال على الحصر وذلك أن الشفاعة إنما يملكها الذي ينتهي إليه أمر المشفوع له إن شاء قبلها وأصلح حال المشفوع له وأما غيره فإنما يملكها إذا رضي بها وأذن فيها والله سبحانه هو الذي يرجع إليه العباد دون الذين يدعون من دون الله فالله هو المالك للشفاعة جميعا فقولهم بكون أوليائهم شفعاء لهم مطلقا ثم عبادتهم لهم كذلك بناء بلا مبنى يعتمد عليه.

وقيل: قوله:"ثم إليه ترجعون"تهديد لهم كأنه قيل: ثم إليه ترجعون فتعلمون أنهم لا يشفعون لكم ويخيب سعيكم في عبادتهم.

وقيل: يحتمل أن يكون تنصيصا على مالكية الآخرة التي فيها معظم نفع الشفاعة وإيماء إلى انقطاع الملك الصوري عما سواه تعالى ، والوجه ما قدمناه.

قوله تعالى:"و إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة"إلخ المراد من ذكره تعالى وحده جعله مفردا بالذكر من غير ذكر آلهتهم ومن مصاديقه قول لا إله إلا الله ، والاشمئزاز الانقباض والنفور عن الشيء.

وإنما ذكر من وصفهم عدم إيمانهم بالآخرة لأن ذلك هو الأصل في اشمئزازهم ولو كانوا مؤمنين بالآخرة وأنهم يرجعون إلى الله فيجازيهم بأعمالهم عبدوه دون أوليائهم ولم يرغبوا عن ذكره وحده.

وقوله:"و إذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون"المراد بالذين من دونه آلهتهم ، والاستبشار سرور القلب بحيث يظهر أثره في الوجه.

قوله تعالى:"قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم"إلخ لما بلغ الكلام مبلغا لا يرجى معه فيهم خير لنسيانهم أمر الآخرة وإنكارهم الرجوع إليه تعالى حتى كانوا يشمئزون من ذكره تعالى وحده أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذكره تعالى وحده ويذكرهم حكمه بين عباده فيما اختلفوا فيه في صورة الالتجاء إليه تعالى على ما فيه من الإقرار بالبعث وقد وصف الله تعالى بأنه فاطر السماوات والأرض أي مخرجها من كتم العدم إلى ساحة الوجود ، وعالم الغيب والشهادة فلا يخفى عليه شيء ، ولازمه أن يحكم بالحق وينفذ حكمه.

قوله تعالى:"و لو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة"إلخ المراد بالذين ظلموا هم الذين ظلموا في الدنيا فالفعل يفيد مفاد الوصف ، والظالمون هم المنكرون للمعاد كما قال:"أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون:"الأعراف: - 45.

والمعنى: ولو أن للظالمين المنكرين للمعاد ضعفي ما في الأرض من أموال وذخائر وكنوز لجعلوه فدية من سوء العذاب.

وقوله:"و بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون"البداء والبدو بمعنى الظهور والحساب والحسبان العد ، والاحتساب الاعتداد بالشيء بمعنى البناء على عده شيئا وكثيرا ما يستعمل الحسبان والاحتساب بمعنى الظن كما قيل ومنه قوله:"ما لم يكونوا يحتسبون"أي ما لم يكونوا يظنون لكن فرق الراغب بين الحسبان والظن حيث قال: والحسبان أن يحكم لأحد النقيضين من غير أن يخطر الآخر بباله ويكون بعرض أن يعتريه فيه شك ، ويقارب ذلك الظن لكن الظن أن يخطر النقيضين بباله فيغلب أحدهما على الآخر.

انتهى.

ومقتضى سياق الآية أن المراد بيان أنهم سيواجهون يوم القيامة أمورا على صفة هي فوق ما تصوروه وأعظم وأهول مما خطر ببالهم لا أنهم يشاهدون أمورا ما كانوا يعتقدونها ويذعنون بها وبالجملة كانوا يسمعون أن لله حسابا ووزنا للأعمال وقضاء ونارا وألوانا من العذاب فيقيسون ما سمعوه - على إنكار منهم له - على ما عهدوه من هذه الأمور في الدنيا فلما شاهدوها إذ ظهرت لهم وجدوها أعظم مما كان يخطر ببالهم من صفتها فهذه الآية في وصف عذابه نظير قوله في وصف نعيم أهل الجنة:"فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين:"السجدة: - 17.

وأيضا مقتضى السياق أن البدو المذكور من قبيل الظهور بعد الخفاء والانكشاف بعد الاستتار كما يشير إليه قوله تعالى:"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد:"ق: - 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت