فهرس الكتاب

الصفحة 3589 من 4314

قوله تعالى:"و بدا لهم سيئات ما كسبوا"إلى آخر الآية أي ظهر لهم سيئات أعمالهم بعد ما كانت خفية عليهم فهو كقوله:"يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء:"آل عمران: - 30.

وقوله:"و حاق بهم ما كانوا به يستهزءون"أي ونزل عليهم وأصابهم ما كانوا يستهزءون به في الدنيا إذا سمعوه من أولياء الدين من شدائد يوم القيامة وأهواله وأنواع عذابه.

قوله تعالى:"فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم"إلخ الآية في مقام التعليل البياني لما تقدم من وصف الظالمين ولذا صدرت بالفاء لتتفرع على ما تقدم تفرع البيان على المبين.

فهو تعالى لما ذكر من حالهم أنهم أعرضوا عن كل آية دالة على الحق ولم يصغوا إلى الحجج المقامة عليهم ولم يسمعوا موعظة ولم يعتدوا بعبرة فجحدوا ربوبيته تعالى وأنكروا البعث والحساب وبلغ بهم ذلك أن اشمأزت قلوبهم إذا ذكر الله وحده.

بين أن ذلك مما يستدعيه طبع الإنسان المائل إلى اتباع هوى نفسه والاغترار بما زين له من نعم الدنيا والأسباب الظاهرية الحافة بها فالإنسان حليف النسيان إذا مسه الضر أقبل إلى ربه وأخلص له ودعاه ثم إذا خوله ربه نعمة نسبه إلى علم نفسه وخبرته ونسي ربه وجهل أنها فتنة فتن بها.

فقوله:"فإذا مس الإنسان ضر"أي مرض أو شدة"دعانا"أي خصنا بالدعاء وانقطع عن غيرنا.

وقوله:"ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم"التخويل الإعطاء على نحو الهبة ، وتقييد النعمة بقوله:"منا"للدلالة على كون وصف النعمة محفوظا لها والمعنى خولناه نعمة ظاهرا كونها نعمة.

وضمير"أوتيته"للنعمة بما أنه شيء أو مال والعناية في ذلك بالإشارة إلى أنه لا يعترف بكونها نعمة منا بل يقطعها عنا فيسميها شيئا أو مالا ونحوه ولا يسميها نعمة حتى يضطره ذلك إلى الاعتراف بمنعم والإشارة إليه كما قال:"أوتيته"فصفح عن الفاعل لذلك والتعبيران أعني"نعمة منا""إنما أوتيته"من لطيف تعبير القرآن ، وقد وجهوا تذكير الضمير في"أوتيته"بوجوه أخر غير موجهة من أرادها فليرجع إلى المفصلات.

والملائم لسياق الآية أن يكون معنى"على علم"على علم مني أي أوتيت هذا الذي أوتيت على علم مني وخبرة بطرق كسب المعاش واقتناء الثروة وجمع المال.

وقيل: المراد إنما أوتيته على علم من الله بخير عندي أستحق به أن يؤتيني النعمة ، وقيل: المراد على علم مني برضا الله عني ، وأنت خبير بأن ما تقدم من معنى قوله:"ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته"لا يلائم شيئا من القولين.

وقوله:"بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون"أي بل النعمة التي خولناه منا فتنة أي ابتلاء وامتحان نمتحنه بذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون بذلك.

وقيل: معناه بل تلك النعمة عذاب لهم ، وقيل: المعنى بل هذه المقالة فتنة لهم يعاقبون عليها والوجهان بعيدان سيما الأخير.

قوله تعالى:"قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فأصابهم سيئات ما كسبوا"ضمير"قد قالها"راجع إلى القول السابق باعتبار أنه مقالة أو كلمة.

والآية رد لقولهم وإثبات لكونها فتنة يمتحنون بها بأنهم لو أوتوها على علم منهم واكتسبوها بحولهم وقوتهم لأغنى عنهم كسبهم ولم يصبهم سيئات ما كسبوا وحفظوها لأنفسهم وتنعموا بها ولم يهلكوا دونها وليس كذلك فهؤلاء الذين قبلهم قالوا هذه المقالة فما أغنى عنهم كسبهم وأصابهم سيئات ما كسبوا.

والظاهر أن الآية تشير بقوله:"قد قالها الذين من قبلهم"إلى قارون وأمثاله وقد حكي عنه قول"إنما أوتيته على علم عندي"في قصته من سورة القصص.

قوله تعالى:"و الذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين"الإشارة بهؤلاء إلى قومه (صلى الله عليه وآله وسلم) والمعنى أن هؤلاء الذين ظلموا من قومك سبيلهم سبيل من قبلهم سيصيبهم سيئات كسبهم ووبالات عملهم وما هم بمعجزين لله.

قوله تعالى:"أ ولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر"إلخ جواب آخر عن قول القائل منهم:"إنما أوتيته على علم"وقد كان الجواب الأول"قد قالها الذين من قبلهم"إلخ جوابا من طريق النقض وهذا جواب من طريق المعارضة بالإشارة إلى دلالة الدليل على أن الله سبحانه هو الذي يبسط الرزق ويقدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت