فهرس الكتاب

الصفحة 3598 من 4314

و بالجملة إذ كان كل شيء من الأشياء لا يملك لنفسه شيئا كان سبحانه هو الوكيل عليه القائم مقامه المدبر لأمره والأسباب والمسببات في ذلك سواء فالله سبحانه هو ربها وحده.

فقد تبين أن الجملة مسوقة للإشارة إلى توحده في الربوبية وهو المقصود بيانه فقول بعضهم إن ذكر ذلك بعد قوله:"الله خالق كل شيء"للدلالة على أنه هو الغني المطلق وأن المنافع والمضار راجعة إلى العباد ، أو أن المراد أنه تعالى حفيظ على كل شيء فيكون إشارة إلى أن الأشياء محتاجة إليه في بقائها كما أنها محتاجة إليه في حدوثها ، أجنبي عن معنى الآية بالمرة.

قوله تعالى:"له مقاليد السموات والأرض"إلخ المقاليد - كما قيل - بمعنى المفاتيح ولا مفرد له من لفظه.

ومفاتيح السماوات والأرض مفاتيح خزائنها قال تعالى:"و لله خزائن السموات والأرض:"المنافقون: - 7 وخزائنها غيبها الذي يظهر منه الأشياء والنظام الجاري فيها فتخرج إلى الشهادة قال تعالى:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم:"الحجر: - 21.

وملك مقاليد السماوات والأرض كناية عن ملك خزائنها التي منها وجودات الأشياء وأرزاقها وأعمارها وآجالها وسائر ما يواجهها في مسيرها من حين تبتدىء منه تعالى إلى حين ترجع إليه.

وهو أعني قوله:"له مقاليد"إلخ في مقام التعليل لقوله:"و هو على كل شيء وكيل"ولذا جيء به مفصولا من غير عطف.

وقوله:"و الذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون"قد تقدم أن قوله:"الله خالق كل شيء - إلى قوله - والأرض"ذكر خلاصة ما تفيده الحجج المذكورة في خلال الآيات السابقة ، وعليه فقوله:"و الذين كفروا بآيات الله"إلخ معطوف على قوله:"الله خالق كل شيء"والمعنى الذي تدل عليه الآيات والحجج المتقدمة أن الله سبحانه خالق فمالك فوكيل على كل شيء أي متوحد في الربوبية والألوهية والذين كفروا بآيات ربهم فلم يوحدوه ولم يعبدوه أولئك هم الخاسرون.

وقد اختلفوا فيما عطف عليه قوله:"و الذين كفروا"إلخ فذكروا فيه وجوها مختلفة كثيرة لا جدوى فيها من أرادها فليرجع إلى المطولات.

قوله تعالى:"قل أ فغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون"لما أورد سبحانه خلاصة ما تنطق به الحجج المذكورة في السورة من توحده تعالى بالخلق والملك والتدبير ولازم ذلك توحده تعالى في الربوبية والألوهية أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخاطب المشركين المقترحين عليه أن يعبد آلهتهم أنه لا يبقى مع هذه الحجج الباهرة الظاهرة محل لعبادته غير الله وإجابة اقتراحهم وهل هي إلا الجهل.

فقوله:"أ فغير الله تأمروني أعبد"الفاء لتفريع مضمون الجملة على قوله:"الله خالق كل شيء"إلى آخر الآيتين ، والاستفهام إنكاري ، و"غير الله"مفعول"أعبد"قدم عليه لتعلق العناية به ، و"تأمروني"معترض بين الفعل ومفعوله وأصله تأمرونني أدغمت فيه إحدى النونين في الأخرى.

وقوله:"أيها الجاهلون"خطابهم بصفة الجهل للإشارة إلى أن أمرهم إياه بعبادة غير الله واقتراحهم بذلك مع ظهور آيات وحدته في الربوبية والألوهية ليس إلا جهلا منهم.

قوله تعالى:"و لقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك"إلخ فيه تأييد لمدلول الحجج العقلية المذكورة بالوحي كأنه قيل: لا تعبد غير الله فإنه جهل وكيف يسوغ لك أن تعبده وقد دل الوحي على النهي عنه كما دل العقل على ذلك.

فقوله:"و لقد أوحي إليك"اللام للقسم ، وقوله:"لئن أشركت ليحبطن عملك"بيان لما أوحي إليه ، وتقدير الكلام وأقسم لقد أوحي إليك لئن أشركت"إلخ"وإلى الذين من قبلك من الأنبياء والرسل لئن أشركتم ليحبطن عملكم ولتكونن من الخاسرين.

وخطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر الأنبياء (عليهم السلام) بالنهي عن الشرك وإنذارهم بحبط العمل والدخول في زمرة الخاسرين خطاب وإنذار على حقيقة معناهما كيف؟ وغرض السورة - كما تقدمت الإشارة إليه - بيان أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مأمور بالإيمان بما يدعو المشركين إلى الإيمان به مكلف بما يكلفهم ولا يسعه أن يجيبهم إلى ما يقترحون به عليه من عبادة آلهتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت