فهرس الكتاب

الصفحة 3599 من 4314

و أما كون الأنبياء معصومين بعصمة إلهية يمتنع معها صدور المعصية عنهم فلا يوجب ذلك سقوط التكليف عنهم وعدم صحة توجهه إليهم ولو كان كذلك لم تتصور في حقهم معصية كسائر من لا تكليف عليه فلم يكن معنى لعصمتهم.

على أن العصمة - وهي قوة يمتنع معها صدور المعصية - من شئون مقام العلم - كما تقدمت الإشارة إليه في تفسير قوله تعالى:"و ما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء:"النساء: - 113 - لا تنافي ثبوت الاختيار الذي هو من شئون مقام العمل وصحة صدور الفعل والترك عن الجوارح.

فمنع العلم القطعي بمفسدة شيء منعا قطعيا عن صدوره عن العالم به كمنع العلم بأثر السم عن شربه لا ينافي كون العالم بذلك مختارا في الفعل لصحة صدوره ولا صدوره عن جوارحه فالعصمة لا تنافي بوجه التكليف.

ومما تقدم يظهر ضعف ما يستفاد من بعضهم أن نهيه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الشرك ونحوه نهي صوري والمراد به نهي أمته فهو من قبيل"إياك أعني واسمعي يا جارة".

ووجه الضعف ظاهر مما تقدم ، وأما قولنا كما ورد في بعض الروايات أن هذه الخطابات القرآنية من قبيل"إياك أعني واسمعي يا جارة"فمعناه أن التكليف لما كان من ظاهر أمره أن يتعلق بمن يجوز عليه الطاعة والمعصية فلو تعلق بمن ليس منه إلا الطاعة مع مشاركة غيره له كان ذلك تكليفا على وجه أبلغ كالكناية التي هي أبلغ من التصريح.

وقوله:"و لتكونن من الخاسرين"ظهر معناه مما تقدم ويمكن أن يكون اللام في الخاسرين مفيدا للعهد ، والمعنى ولتكونن من الخاسرين الذين كفروا بآيات الله وأعرضوا عن الحجج الدالة على وحدانيته.

قوله تعالى:"بل الله فاعبد وكن من الشاكرين"إضراب عن النهي المفهوم من سابق الكلام كأنه قيل فلا تعبد غير الله بل الله فاعبد ، وتقديم اسم الجلالة للدلالة على الحصر.

والفاء في"فاعبد"زائدة للتأكيد على ما قيل ، وقيل: هي فاء الجزاء وقد حذف شرطه والتقدير بل إن كنت عابدا أو عاقلا فاعبد الله.

وقوله:"و كن من الشاكرين"أي وكن بعبادتك له من الذين يشكرونه على نعمه الدالة على توحده في الربوبية والألوهية ، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى:"و سيجزي الله الشاكرين:"آل عمران: - 144 وقوله:"و لا تجد أكثرهم شاكرين:"الأعراف: - 17 أن مصداق الشاكرين بحقيقة معنى الكلمة هم المخلصون بفتح اللام فراجع.

قوله تعالى:"و ما قدروا الله حق قدره"إلى آخر الآية قدر الشيء هو مقداره وكميته من حجم أو عدد أو وزن وما أشبه ذلك ثم استعير للمعنويات من المكانة والمنزلة.

فقوله:"و ما قدروا الله حق قدره"تمثيل أريد به عدم معرفتهم به تعالى واجب المعرفة إذ لم يعرفوه من حيث المعاد ورجوع الأشياء إليه كما يدل عليه تعقيب الجملة بقوله:"و الأرض جميعا قبضته يوم القيامة"إلى آخر السورة حيث ذكر فيه انقطاع كل سبب دونه يوم القيامة ، وقبضه الأرض وطيه السماوات ونفخ الصور لإماتة الكل ثم لإحيائهم وإشراق الأرض بنور ربها ووضع الكتاب والمجيء بالنبيين والشهداء والقضاء وتوفية كل نفس ما عملت وسوق المجرمين إلى النار والمتقين إلى الجنة فمن كان شأنه في الملك والتصرف هذا الشأن وعرف بذلك أوجبت هذه المعرفة الإقبال إليه بعبادته وحده والإعراض عن غيره بالكلية.

لكن المشركين لما لم يؤمنوا بالمعاد ولم يقدروه حق قدره ولم يعرفوه واجب معرفته أعرضوا عن عبادته إلى عبادة من سواه.

وقوله:"و الأرض جميعا قبضته يوم القيامة"أي الأرض بما فيها من الأجزاء والأسباب الفعالة بعضها في بعض ، والقبضة مصدر بمعنى المقبوضة ، والقبض على الشيء وكونه في القبضة كناية عن التسلط التام عليه أو انحصار التسلط عليه في القابض والمراد هاهنا المعنى الثاني كما يدل عليه قوله تعالى:"و الأمر يومئذ لله:"الانفطار: - 19 وغيره من الآيات.

وقد مر مرارا أن معنى انحصار الملك والأمر والحكم والسلطان وغير ذلك يوم القيامة فيه تعالى ظهور ذلك لأهل الجمع يومئذ وإلا فهي له تعالى دائما فمعنى كون الأرض جميعا قبضته يوم القيامة ظهور ذلك يومئذ للناس لا أصله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت