فهرس الكتاب

الصفحة 3622 من 4314

و من المعلوم كما قررناه في ذيل قوله تعالى:"هو الذي يريكم آياته"الآية: - 13 من السورة أن الربوبية لا تتم بدون دعوة في الدنيا ونظيرتها الدعوة في الآخرة ، وإذ كان الذي يدعوهم إليه ذا دعوة في الدنيا والآخرة دون ما يدعونه إليه فهو الإله دون ما يدعون إليه.

وقوله:"و أن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار"معطوف على قوله:"إنما تدعونني"أي لا جرم أن مردنا إلى الله فيجب الإسلام له واتباع سبيله ورعاية حدود العبودية ، ولا جرم أن المسرفين وهم المتعدون طور العبودية - وهم أنتم - أصحاب النار فالذي أدعوكم إليه فيه النجاة دون ما تدعونني إليه.

قوله تعالى:"فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد"صدر الآية موعظة وتخويف لهم وهو تفريع على قوله:"و أن مردنا إلى الله"إلخ أي إذ كان لا بد من الرجوع إلى الله وحلول العذاب بالمسرفين وأنتم منهم ولم تسمعوا اليوم ما أقول لكم فستذكرون ما أقول لكم حين عاينتم العذاب وتعلمون عند ذاك أني كنت ناصحا لكم.

وقوله:"و أفوض أمري إلى الله"التفويض على ما فسره الراغب هو الرد فتفويض الأمر إلى الله رده إليه فيقرب من معنى التوكل والتسليم والاعتبار مختلف: فالتفويض من العبد رده ما نسب إليه من الأمر إلى الله سبحانه وحال العبد حينئذ حال من هو أعزل لا أمر راجعا إليه ، والتوكل من العبد جعله ربه وكيلا يتصرف فيما له من الأمر ، والتسليم من العبد مطاوعته المحضة لما يريده الله سبحانه فيه ومنه من غير نظر إلى انتساب أمر إليه فهي مقامات ثلاث من مقامات العبودية: التوكل ثم التفويض وهو أدق من التوكل ثم التسليم وهو أدق منهما.

وقوله:"إن الله بصير بالعباد"تعليل لتفويضه أمره إلى الله ، وفي وضع اسم الجلالة موضع ضميره - وكان مقتضى الظاهر الإضمار إشارة إلى علة بصيرته بالعباد كأنه قيل: إنه بصير بالعباد لأنه الله عز اسمه.

قوله تعالى:"فوقاه الله سيئات ما مكروا"تفريع على تفويضه الأمر إلى الله فكفاه الله شرهم ووقاه سيئات مكرهم ، وفيه إشارة إلى أنهم قصدوه بالسوء لكن الله دفعهم عنه.

قوله تعالى:"و حاق بآل فرعون سوء العذاب - إلى قوله - أشد العذاب"أي نزل بهم وأصابهم العذاب السيىء فسوء العذاب من إضافة الصفة إلى موصوفها وفي التوصيف بالمصدر مبالغة ، وآل فرعون أشياعه وأتباعه ، وربما يقال آل فلان ويشمل نفسه.

وقوله:"النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب"ظاهر السياق أنه بيان لسوء العذاب وليس من الاستئناف في شيء.

والآية صريحة أولا في أن هناك عرضا على النار ثم إدخالا فيها والإدخال أشد من العرض ، وثانيا: في أن العرض على النار قبل قيام الساعة التي فيها الإدخال وهو عذاب البرزخ - عالم متوسط بين الموت والبعث - وثالثا: أن التعذيب في البرزخ ويوم تقوم الساعة بشيء واحد وهو نار الآخرة لكن البرزخيين يعذبون بها من بعيد وأهل الآخرة بدخولها.

وفي قوله:"غدوا وعشيا"إشارة إلى التوالي من غير انقطاع ، ولعل لأهل البرزخ لعدم انقطاعهم عن الدنيا بالكلية نسبة ما إلى الغداة والعشي.

وفي قوله:"و يوم تقوم الساعة أدخلوا"إيجاز بالحذف والتقدير يقال: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب.

قوله تعالى:"و إذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا - إلى قوله - بين العباد"يفيد السياق أن الضمير في"يتحاجون"لآل فرعون ومن الدليل على ذلك تغيير السياق في قوله بعد:"و قال الذين في النار"والمعنى وحاق بآل فرعون سوء العذاب إذ يتحاجون في النار أو واذكر من سوء عذابهم إذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء منهم للذين استكبروا إنا كنا في الدنيا لكم تبعا وكان لازم ذلك أن تكفونا في الحوائج وتنصرونا في الشدائد ولا شدة أشد مما نحن فيه فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار وإن لم يكن جميع عذابها فقد قنعنا بالبعض.

وهذا ظهور مما رسخ في نفوسهم في الدنيا من الالتجاء بكبريائهم ومتبوعيهم من دون الله يظهر منهم ذلك يوم القيامة وهم يعلمون أنهم في يوم لا تغني فيه نفس عن نفس شيئا والأمر يومئذ لله وله نظائر محكية عنهم في كلامه تعالى من كذبهم يومئذ وخلفهم وإنكارهم أعمالهم وتكذيب بعضهم لبعض وغير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت