فهرس الكتاب

الصفحة 3623 من 4314

و قوله:"قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد"جواب من مستكبريهم عن قولهم ومحصله أن اليوم يوم جزاء لا يوم عمل فالأسباب ساقطة عن التأثير وقد طاحت منا ما كنا نتوهمه لأنفسنا في الدنيا من القوة والقدرة فحالنا وحالكم - ونحن جميعا في النار - واحدة.

فقولهم:"إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد"مفاده أن ظهور الحكم الإلهي قد أبطل أحكام سائر الأسباب وتأثيراتها وأثبتنا على ما نحن فيه من الحال في حد سواء فلسنا نختص دونكم بقوة حتى نغني عنكم شيئا من العذاب.

ومما قيل في الآية أن الضمير في قوله"يتحاجون"لمطلق الكفار من أهل النار وهو بعيد كما عرفت ، وقيل: الضمير لقريش وهو أبعد.

قوله تعالى:"و قال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب"مكالمة بين أهل النار - ومنهم آل فرعون - وبين خزنة جهنم أوردها سبحانه تلو قصة آل فرعون ، وهم إنما سألوا الخزنة أن يدعوا لهم ليأسهم من أن يستجاب منهم أنفسهم.

والمراد باليوم من العذاب ما يناسب من معنى اليوم لعالمهم الذي هم فيه ، ويؤول معناه إلى قطعة من العذاب.

قوله تعالى:"قالوا أ ولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال"أجابوهم بالاستخبار عن إتيان رسلهم إياهم بالبينات فاعترفوا بذلك وهو اعتراف منهم بأنهم كفروا بهم مع العلم بكونهم على الحق وهو الكفر بالنبوة فلم يجبهم الخزنة فيما سألوهم من الدعاء إثباتا ولا نفيا بل ردوهم إلى أنفسهم مشيرين إلى أنهم لا يستجاب لهم دعاء.

وقوله:"و ما دعاء الكافرين إلا في ضلال"أي إن دعاءهم قد أحاط به الضلال فلا يهتدي إلى هدف الإجابة وهو تتمة كلام الخزنة على ما يعطيه السياق ، ويحتمل أن يكون من كلامه تعالى ، على بعد.

والجملة على أي حال تفيد معنى التعليل والمحصل: ادعوا فلا يستجاب لكم فإنكم كافرون ، والكافرون لا يستجاب لهم دعاء.

وتعليق حكم عدم الاستجابة بوصف الكفر مشعر بعليته وذلك أن الله سبحانه وإن وعد عباده وعدا قطعيا أن يجيب دعوة من دعاه منهم فقال:"أجيب دعوة الداع إذا دعان:"البقرة - 186 ، والدعاء إذا كان واقعا على حقيقته لا يرد البتة لكن الذي يتضمنه متن هذا الوعد هو أن يكون هناك دعاء وطلب حقيقة وأن يتعلق ذلك بالله حقيقة أي يدعو الداعي ويطلب جدا وينقطع في ذلك إلى الله عن سائر الأسباب التي يسميها أسبابا.

والكافر بعذاب الآخرة وهو الذي ينكرها ويستر حقيقتها لا يتمشى منه طلب جدي لرفعه أما في الدنيا فظاهر ، وأما في الآخرة فلأنه وإن أيقن به بالمعاينة وانقطع إلى الله سبحانه لما هو فيه من الشدة وقد انقطعت عنه الأسباب لكن صفة الإنكار لزمته وبالا وقد جوزي بها فلا تدعه يطلب ما كان ينكره طلبا جديا.

على أن الكلام في انقطاعه إلى الله أيضا كالكلام في طلبه الجدي للتخلص وأنى له الانقطاع إلى الله هناك ولم يتلبس به في الدنيا فافهمه.

وبذلك يظهر ضعف الاستدلال بالآية على أن دعاء الكافر لا يستجاب مطلقا فإنك عرفت أن مدلول الآية عدم استجابة دعائه في ما يكفر به وينكره لا مطلقا كيف؟ وهناك آيات كثيرة تذكر استجابة دعائه في موارد الاضطرار.

قوله تعالى:"إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد"الأشهاد جمع شهيد بمعنى شاهد ، والآية وعد نوعي لا وعد شخصي لكل واحد شخصي منهم في كل واقعة شخصية ، وقد تقدم كلام في معنى النصر الإلهي في تفسير قوله تعالى:"إنهم لهم المنصورون:"الصافات: - 172.

قوله تعالى:"يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار"تفسير ليوم يقوم الأشهاد ، وظاهر إضافة المصدر إلى فاعله في قوله"معذرتهم"ولم يقل: إن يعتذروا ، تحقق معذرة ما منهم يومئذ ، وأما قوله:"هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون:"المرسلات: - 36 فمحمول على بعض مراحل يوم القيامة وعقباته لدلالة آيات أخرى على وقوع تكلم ما منهم يومئذ.

وقوله:"و لهم اللعنة"أي البعد من رحمة الله ، وقوله"لهم سوء الدار"أي الدار السيئة وهي جهنم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت