و المعنى: سوف يعلمون حقيقة عملهم حين تكون الأغلال والسلاسل في أعناقهم يجرون في الماء الحار الشديد الحرارة ثم يقذفون في النار.
وقيل: معنى قوله:"ثم في النار يسجرون"ثم يصيرون وقود النار ، ويؤيده قوله تعالى في صفة جهنم:"وقودها الناس والحجارة:"البقرة: - 24 ، وقوله:"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم:"الأنبياء: - 98.
قوله تعالى:"ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا"إلى آخر الآية.
أي قيل لهم وهم يتقلبون بين السحب والسجر: أين ما كنتم تشركون من شركائكم من دون الله حتى ينصروكم بالإنجاء من هذا العذاب أو يشفعوا لكم كما كنتم تزعمون أنهم سيشفعون لكم قبال عبادتكم لهم؟.
وقوله:"قالوا ضلوا عنا"أي غابوا عنا من قولهم: ضلت الدابة إذا غابت فلم يعرف مكانها ، وهذا جوابهم عما قيل لهم: أين ما كنتم تشركون من دون الله.
وقوله:"بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا"إضراب منهم عن الجواب الأول لما يظهر لهم أن الآلهة الذين كانوا يزعمونهم شركاء لم يكونوا إلا أسماء لا مسميات لها ومفاهيم لا يطابقها شيء ولم يكن عبادتهم لها إلا سدى ، ولذلك نفوا أن يكونوا يعبدون شيئا قال تعالى:"فزيلنا بينهم:"يونس: - 28 وقال:"لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون:"الأنعام: - 94.
وقيل: هذا من كذبهم يوم القيامة على حد قوله:"و الله ربنا ما كنا مشركين:"الأنعام: - 23.
وقوله:"كذلك يضل الله الكافرين"أي إضلاله تعالى للكافرين وهم الساترون للحق يشبه هذا الضلال وهو أنهم يرون الباطل حقا فيقصدونه ثم يتبين لهم بعد ضلال سعيهم أنه لم يكن إلا باطلا في صورة حق وسرابا في سيماء الحقيقة.
والمعنى: على الوجه الثاني أعني كون قولهم:"بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا"كذبا منهم: كمثل هذا الإضلال يضل الله الكافرين فيئول أمرهم إلى الكذب حيث لا ينفع مع علمهم بأنه لا ينفع.
وقد فسرت الجملة بتفاسير أخرى متقاربة وقريبة مما ذكرناه.
قوله تعالى:"ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون"الفرح مطلق السرور ، والمرح الإفراط فيه وهو مذموم ، وقال الراغب: الفرح انشراح الصدر بلذة عاجلة وأكثر ما يكون ذلك في اللذات البدنية ، وقال: المرح شدة الفرح والتوسع فيه.
انتهى.
وقوله:"ذلكم بما كنتم"الإشارة إلى ما هم فيه من العذاب والباء في"بما كنتم"للسببية أو المقابلة.
والمعنى: ذلكم العذاب الذي أنتم فيه بسبب كونكم تفرحون في الأرض بغير الحق من اللذات العاجلة وبسبب كونكم تفرطون في الفرح وذلك لتعلق قلوبهم بعرض الدنيا وزينتها ومعاداتهم لكل حق يخالف باطلهم فيفرحون ويمرحون بإحياء باطلهم وإماتة الحق واضطهاده.
قال في المجمع ،: قيد الفرح وأطلق المرح لأن الفرح قد يكون بحق فيحمد عليه وقد يكون بالباطل فيذم عليه ، والمرح لا يكون إلا باطلا.
انتهى.
قوله تعالى:"ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين"أي ادخلوا أبوابها المقسومة لكم خالدين فيها فبئس مقام الذين يتكبرون عن الحق جهنم ، وقد تقدم أن أبواب جهنم دركاتها.
قوله تعالى:"فاصبر إن وعد الله حق"لما بين مآل أمر المجادلين في آيات الله وهي النار وأن الله يضلهم بكفرهم فرع عليه أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر معللا ذلك بأن وعد الله حق.
وقوله:"فإما نرينك بعض الذي نعدهم"هو عذاب الدنيا"أو نتوفينك"بالموت فلم نرك ذلك"فإلينا يرجعون"ولا يفوتوننا فننجز فيهم ما وعدناه.
قوله تعالى:"و لقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك"إلخ بيان لكيفية النصر المذكور في الآية السابقة أن آية النصر - التي جرت سنة الله على إنزالها للقضاء بين كل رسول وأمته وإظهار الحق على الباطل كما يشير إليه قوله:"و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون:"يونس: - 47 - لم يفوض أمرها إلى رسول من الرسل من قبلك بل كان يأتي بها من يأتي منهم بإذن الله ، وحالك حالهم ، فمن الممكن أن نأذن لك في الإتيان بها فنريك بعض ما نعدهم ، ومن الممكن أن نتوفاك فلا نريك غير أن أمر الله إذا جاء قضي بينهم بالحق وخسر هنالك المبطلون.
هذا ما يفيده السياق.