و لا ينافي ذلك عموم دعوته (صلى الله عليه وآله وسلم) لعامة البشر لأن دعوته (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت مرتبة على مراحل فأول ما دعا دعا الناس بالموسم فقوبل بإنكار شديد منهم ثم كان يدعو بعد ذلك سرا مدة ثم أمر بدعوة عشيرته الأقربين كما يشير إليه قوله تعالى:"و أنذر عشيرتك الأقربين:"الشعراء: - 214 ثم أمر بدعوة قومه كما يشير إليه قوله:"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين:"الحجر: - 94 ثم أمر بدعوة الناس عامة كما يشير إليه قوله:"قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا:"الأعراف: - 158 ، وقوله:"و أوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ:"الأنعام: - 19.
على أن من المسلم تاريخا أنه كان من المؤمنين به سلمان وكان فارسيا ، وبلال وكان حبشيا ، وصهيب وكان روميا ، ودعوته لليهود ووقائعه (صلى الله عليه وآله وسلم) معهم ، وكذا كتابه إلى ملك إيران ومصر والحبشة والروم في دعوتهم إلى الإسلام كل ذلك دليل على عموم الدعوة.
قوله تعالى:"بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون""بشيرا ونذيرا"حالان من الكتاب في الآية السابقة ، والمراد بالسمع المنفي سمع القبول كما يدل عليه قرينة الإعراض.
قوله تعالى:"و قالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه"إلى آخر الآية.
قال الراغب: الكن ما يحفظ فيه الشيء قال: الكنان الغطاء الذي يكن فيه الشيء والجمع أكنة نحو غطاء وأغطية قال تعالى:"و جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه".
انتهى.
فقوله:"قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه"كناية عن كون قلوبهم بحيث لا تفقه ما يدعو (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه من التوحيد كأنها مغطاة بأغطية لا يتطرق إليها شيء من خارج.
وقوله:"و في آذاننا وقر"أي ثقل من الصمم فلا تسمع شيئا من هذه الدعوة ، وقوله:"و من بيننا وبينك حجاب"أي حاجز يحجزنا منك فلا نجتمع معك على شيء مما تريد فقد أيأسوه (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبول دعوته بما أخبروه أولا بكون قلوبهم في أكنة فلا تقع فيها دعوته حتى يفقهوها ، وثانيا بكون طرق ورودها إلى القلوب وهي الآذان مسدودة فلا تلجها دعوة ولا ينفذ منها إنذار وتبشير ، وثالثا بأن بينهم وبينه (صلى الله عليه وآله وسلم) حجابا مضروبا لا يجمعهم معه جامع وفيه تمام الإياس.
وقوله:"فاعمل إننا عاملون"تفريع على ما سبق ، ولا يخلو من شوب تهديد ، وعليه فالمعنى إذا كان لا سبيل إلى التفاهم بيننا فاعمل بما يمكنك العمل به في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك.
وقيل: المعنى فاعمل على دينك فإننا عاملون على ديننا ، وقيل: المعنى فاعمل في هلاكنا فإننا عاملون في هلاكك ، ولا يخلوان من بعد.
قوله تعالى:"قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه"في مقام الجواب عن قولهم:"قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه"على ما يعطيه السياق فمحصله قل لهم: إنما أنا بشر مثلكم أعاشركم كما يعاشر بعضكم بعضا وأكلمكم كما يكلم أحدكم صاحبه فلست من جنس يباينكم كالملك حتى يكون بيني وبينكم حجاب مضروب أو لا ينفذ كلامي في آذانكم أو لا يرد قولي في قلوبكم غير أن الذي أقول لكم وأدعوكم إليه وحي يوحى إلي وهو إنما إلهكم الذي يستحق أن تعبدوه إله واحد لا آلهة متفرقون.
وقوله:"فاستقيموا إليه واستغفروه"أي فإذا لم يكن إلا إلها واحدا لا شريك له فاستووا إليه بتوحيده ونفي الشركاء عنه واستغفروه فيما صدر عنكم من الشرك والذنوب.
قوله تعالى:"و ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون"تهديد للمشركين الذين يثبتون لله شركاء ولا يوحدونه ، وقد وصفهم من أخص صفاتهم بصفتين هما عدم إيتائهم الزكاة وكفرهم بالآخرة.
والمراد بإيتاء الزكاة مطلق إنفاق المال للفقراء والمساكين لوجه الله فإن الزكاة بمعنى الصدقة الواجبة في الإسلام لم تكن شرعت بعد عند نزول السورة وهي من أقدم السور المكية.
وقيل: المراد بإيتاء الزكاة تزكية النفس وتطهيرها من أوساخ الذنوب وقذارتها وإنماؤها نماء طيبا بعبادة الله سبحانه ، وهو حسن لو حسن إطلاق إيتاء الزكاة على ذلك.
وقوله:"و هم بالآخرة هم كافرون"وصف آخر للمشركين هو من لوازم مذهبهم وهو إنكار المعاد ، ولذلك أتى بضمير الفصل ليفيد أنهم معروفون بالكفر بالآخرة.