دلت الآية الأولى على أن السماء مبدأ لأمره تعالى النازل إلى الأرض بوجه والثانية على أن الأمر يتنزل بين السماوات من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى الأرض ، والثالثة على أن السماوات طرائق لسلوك الأمر من عند ذي العرش أو لسلوك الملائكة الحاملين للأمر إلى الأرض كما يشير إليه قوله:"تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر:"القدر: - 4 ، وقوله:"فيها يفرق كل أمر حكيم:"الدخان: - 4.
ولو كان المراد بالأمر أمره تعالى التكويني وهو كلمة الإيجاد كما يستفاد من قوله:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن:"يس: - 82 ، أفادت الآيات بانضمام بعضها إلى بعض أن الأمر الإلهي الذي مضيه في العالم الأرضي هو خلق الأشياء وحدوث الحوادث تحمله الملائكة من عند ذي العرش تعالى وتسلك في تنزيله طرق السماوات فتنزله من سماء إلى سماء حتى تنتهي به إلى الأرض.
وإنما تحمله ملائكة كل سماء إلى من دونهم كما يستفاد من قوله:"حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير:"سبأ: - 23 وقد تقدم الكلام فيه والسماوات مساكن الملائكة كما يستفاد من قوله:"و كم من ملك في السماوات:"النجم: - 26 ، وقوله:"لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب:"الصافات: - 8.
فللأمر نسبة إلى كل سماء باعتبار الملائكة الساكنين فيها ، ونسبة إلى كل قبيل من الملائكة الحاملين له باعتبار تحميله لهم وهو وحيه إليهم فإن الله سبحانه سماه قولا كما قال:"إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن:"النحل: - 40.
فتحصل بما مر أن معنى قوله:"و أوحى في كل سماء أمرها"أوحى في كل سماء إلى أهلها من الملائكة الأمر الإلهي.
المنسوب إلى تلك السماء المتعلق بها ، وأما كون اليومين المذكورين في الآية ظرفا لهذا الوحي كما هما ظرف لخلق السماوات سبعا فلا دليل عليه من لفظ الآية.
قوله تعالى:"و زينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم"توصيف هذه السماء بالدنيا للدلالة على أنها أقرب السماوات من الأرض وهي طباق بعضها فوق بعض كما قال:"خلق سبع سماوات طباقا:"الملك: - 3.
والظاهر من معنى تزيينها بمصابيح وهي الكواكب كما قال:"إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب:"الصافات: - 6 أن الكواكب في السماء الدنيا أو دونها كالقناديل المعلقة ولو كانت متفرقة في جميع السماوات من غير حجب بعضها بعضا لكون السماوات شفافة كما قيل كانت زينة لجميعها ولم تختص الزينة ببعضها كما يفيده السياق فلا وجه لقول القائل: إنها في الجميع لكن لكونها ترى متلألئة على السماء الدنيا عدت زينة لها.
وأما قوله:"أ لم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا:"نوح: - 16 فهو بالنسبة إلينا معاشر المستضيئين بالليل والنهار كقوله:"و جعلنا سراجا وهاجا:"النبأ: - 13.
وقوله:"و حفظا"أي وحفظناها من الشياطين حفظا كما قال:"و حفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين:"الحجر: - 18.
وقوله:"ذلك تقدير العزيز العليم"إشارة إلى ما تقدم من النظم والترتيب.
كلام فيه تتميم
قد تحصل مما تقدم: أولا: أن المستفاد من ظاهر الآيات الكريمة - وليست بنص - أن السماء الدنيا من هذه السبع هي عالم النجوم والكواكب فوقنا.
وثانيا: أن هذه السماوات السبع المذكورة جميعا من الخلق الجسماني فكأنها طبقات سبع متطابقة من عالم الأجسام أقربها منا عالم النجوم والكواكب ، ولم يصف القرآن شيئا من السماوات الست الباقية دون أن ذكر أنها طباق.
وثالثا: أن ليس المراد بالسماوات السبع الأجرام العلوية أو خصوص بعضها كالشمس والقمر أو غيرهما.
ورابعا: أن ما ورد من كون السماوات مساكن للملائكة وأنهم ينزلون منها بأمر الله حاملين له ويعرجون إليها بكتب الأعمال ، وأن للسماء أبوابا لا تفتح للكفار وأن الأشياء والأرزاق تنزل منها وغير ذلك مما تشير إليه متفرقات الآيات والروايات يكشف عن أن لهذه الأمور نوع تعلق بهذه السماوات لا كتعلق ما نراه من الأجسام بمحالها وأماكنها الجسمانية الموجبة لحكومة النظام المادي فيها وتسرب التغير والتبدل والدثور والفتور إليها.