فهرس الكتاب

الصفحة 3639 من 4314

و في قوله:"ائتيا طوعا أو كرها"إيجاب الإتيان عليهما وتخييرهما بين أن تفعلا ذلك بطوع أو كره ، ولعل المراد بالطوع والكره - وهما بوجه قبول الفعل ونوع ملاءمة وعدمه - هو الاستعداد السابق للكون وعدمه فيكون قوله:"ائتيا طوعا أو كرها"كناية عن وجوب إتيانهما بلا مناص وأنه أمر لا يتخلف البتة أرادتا أو كرهتا سألتاه أو لم تسألا فأجابتا أنهما يمتثلان الأمر عن استعداد سابق وقبول ذاتي وسؤال فطري إذ قالتا: أتينا طائعين.

وقول بعضهم: إن قوله:"طوعا أو كرها"تمثيل لتحتم تأثير قدرته تعالى فيهما واستحالة امتناعهما من ذلك لا إثبات الطوع والكره لهما.

مدفوع بقوله بعد:"قالتا أتينا طائعين"إذ لو كان الترديد المذكور تمثيلا فقط من غير إثبات كما ذكره لم يكن لإثبات الطوع في الجواب وجه.

وقوله:"قالتا أتينا طائعين"جواب السماء والأرض لخطابه تعالى باختيار الطوع ، والتعبير باللفظ الخاص بأولي العقل - طائعين - لمكان المخاطبة والجواب وهما من خواص أولي العقل ، والتعبير بلفظ الجمع دون أن تقولا: أتينا طائعتين لعله تواضع منهما بعد أنفسهما غير متميزة من سائر مخلوقاته تعالى المطيعة لأمره فأجابتا عن لسان الجميع ، نظير ما قيل في قوله تعالى:"إياك نعبد وإياك نستعين:"الحمد: - 5.

ثم إن تشريك الأرض مع السماء في خطاب"ائتيا"إلخ مع ذكر خلقها وتدبير أمرها قبلا لا يخلو من إشعار بأن بينهما نوع ارتباط في الوجود واتصال في النظام الجاري فيهما وهو كذلك فإن الفعل والانفعال والتأثير والتأثر دائر بين أجزاء العالم المشهود.

وفي قوله:"فقال لها وللأرض"تلويح على أي حال إلى كون"ثم"في قوله:"ثم استوى"للتراخي بحسب رتبة الكلام.

قوله تعالى:"فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها"الأصل في معنى القضاء فصل الأمر ، وضمير"هن"للسماء على المعنى ، و"سبع سموات"حال من الضمير و"في يومين"متعلق بقضاهن فتفيد الجملة أن السماء لما استوى سبحانه إليها وهي دخان كان أمرها مبهما غير مشخص من حيث فعلية الوجود ففصل تعالى أمرها بجعلها سبع سماوات في يومين.

وقيل: إن القضاء في الآية مضمن معنى التصيير و"سبع سموات"مفعوله الثاني ، وقيل فيها وجوه أخر لا يهمنا إيرادها.

والآية وما قبلها ناظرة إلى تفصيل ما أجمل في قوله:"أ ولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما:"الأنبياء: - 30.

وقوله:"و أوحى في كل سماء أمرها"قيل: المراد بأمر السماء ما تستعد له أو تقتضيه الحكمة فيها من وجود ملك أو كوكب وما أشبه ذلك ، والوحي هو الخلق والإيجاد ، والجملة معطوفة على قوله:"قضاهن"مقيدة بالوقت المذكور للمعطوف عليه ، والمعنى وخلق في كل سماء ما فيها من الملائكة والكواكب وغيرها.

وأنت خبير بأن إرادة الخلق من الوحي وأمثال الملك والكوكب من الأمر تحتاج إلى عناية زائدة لا تثبت إلا بدليل بين ، وكذا تقيد الجملة المعطوفة بالوقت المذكور في المعطوف عليها.

وقيل: المراد بالأمر التكليف الإلهي المتوجه إلى أهل كل سماء من الملائكة والوحي بمعناه المعروف والمعنى وأوحى إلى أهل كل سماء من الملائكة ما أمرهم به من العبادة.

وفيه أن ظاهر الآية وقد قال تعالى:"في كل سماء"ولم يقل: إلى كل سماء لا يوافقه تلك الموافقة.

وقيل: المراد بأمرها ما أراده الله منها ، وهذا الوجه في الحقيقة راجع إلى أحد الوجهين السابقين فإن أريد بالوحي الخلق والإيجاد رجع إلى أول الوجهين وإن أريد به معناه المعروف رجع إلى ثانيهما.

والذي وقع في كلامه تعالى من الأمر المتعلق بوجه بالسماء يلوح إلى معنى أدق مما ذكروه فقد قال تعالى:"يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه:"الم السجدة: - 5 ، وقال:"الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن:"الطلاق: - 12 ، وقال:"و لقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين:"المؤمنون: - 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت