فهرس الكتاب

الصفحة 3638 من 4314

و الإنصاف أن الآية أعني قوله:"و قدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين"ظاهرة في غير ما ذكروه والقرائن الحافة بها تؤيد كون المراد بها تقدير أقواتها في الفصول الأربعة التي يكونها ميل الشمس الشمالي والجنوبي بحسب ظاهر الحس فالأيام الأربعة هي الفصول الأربعة.

والذي ذكر في هذه الآيات من أيام خلق السماوات والأرض أربعة أيام يومان لخلق الأرض ويومان لتسوية السماوات سبعا بعد كونها دخانا وأما أيام الأقوات فقد ذكرت أياما لتقديرها لا لخلقها ، وما تكرر في كلامه تعالى هو خلق السماوات والأرض في ستة أيام لا مجموع خلقها وتقدير أمرها فالحق أن الظرف قيد للجملة الأخيرة فقط ولا حذف ولا تقدير في الآية والمراد بيان تقدير أقوات الأرض وأرزاقها في الفصول الأربعة من السنة.

وقوله:"سواء للسائلين"مفعول مطلق لفعل مقدر أي استوت الأقوات المقدرة استواء للسائلين أو حال من الأقوات أي قدرها حال كونها مستوية للسائلين يقتاتون بها جميعا وتكفيهم من دون زيادة أو نقيصة.

والسائلون هم أنواع النبات والحيوان والإنسان فإنهم محتاجون في بقائهم إلى الأرزاق والأقوات فهم سائلون ربهم 1 قال تعالى:"يسأله من في السموات والأرض:"الرحمن: - 29 ، وقال:"و آتاكم من كل ما سألتموه:"إبراهيم: - 34.

قوله تعالى:"ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين"الاستواء - على ما ذكره الراغب - إذا عدي بعلى أفاد معنى الاستيلاء نحو الرحمن على العرش استوى ، وإذا عدي بإلى أفاد معنى الانتهاء إليه.

وأيضا في المفردات ، أن الكره بفتح الكاف المشتقة التي تنال الإنسان من خارج فيما يحمل عليه بإكراه ، والكره بضم الكاف ما تناله من ذاته وهو يعافه.

فقوله:"ثم استوى إلى السماء"أي توجه إليها وقصدها بالخلق دون القصد المكاني الذي لا يتم إلا بانتقال القاصد من مكان إلى مكان ومن جهة إلى جهة لتنزهه تعالى على ذلك.

وظاهر العطف بثم تأخر خلق السماوات عن الأرض لكن قيل: إن"ثم"لإفادة التراخي بحسب الخبر لا بحسب الوجود والتحقق ويؤيده قوله تعالى:"أم السماء بناها - إلى أن قال - والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها:"النازعات: - 32 فإنه يفيد تأخر الأرض عن السماء خلقا.

والاعتراض عليه بأن مفاده تأخر دحو الأرض عن بناء السماء ودحوها غير خلقها مدفوع بأن الأرض كروية فليس دحوها وبسطها غير تسويتها كرة وهو خلقها على أنه تعالى أشار بعد ذكر دحو الأرض إلى إخراج مائها ومرعاها وإرساء جبالها وهذه بعينها جعل الرواسي من فوقها والمباركة فيها وتقدير أقواتها التي ذكرها في الآيات التي نحن فيها مع خلق الأرض وعطف عليها خلق السماء بثم فلا مناص عن حمل ثم على غير التراخي الزماني فإن قوله في آية النازعات:"بعد ذلك"أظهر في التراخي الزماني من لفظة"ثم"فيه في آية حم السجدة والله أعلم.

وقوله:"و هي دخان"حال من السماء أي استوى إلى السماء بالخلق حال كونها شيئا سماه الله دخانا وهو مادتها التي ألبسها الصورة وقضاها سبع سماوات بعد ما لم تكن معدودة متميزا بعضها من بعض ، ولذا أفرد السماء فقال:"استوى إلى السماء".

وقوله:"فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها"تفريع على استوائه إلى السماء والمورد مورد التكوين بلا شك فقوله لها وللأرض:"ائتيا طوعا أو كرها"كلمة إيجاد وأمر تكويني كقوله لشيء أراد وجوده: كن ، قال تعالى:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن:"يس: - 83.

ومجموع قوله لهما:"ائتيا"إلخ وقولهما له:"أتينا"إلخ تمثيل لصفة الإيجاد والتكوين على الفهم الساذج العرفي وحقيقة تحليلية بناء على ما يستفاد من كلامه تعالى من سراية العلم في الموجودات وكون تكليم كل شيء بحسب ما يناسب حاله ، وقد أوردنا بعض الكلام فيه فيما تقدم من المباحث ، وسيجيء شطر من الكلام فيه في تفسير قوله:"قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء:"الآية - 21 من السورة إن شاء الله.

وقول بعضهم: إن المراد بقوله:"ائتيا"إلخ أمرهما بإظهار ما فيهما من الآثار والمنافع دون الأمر بأن توجدا وتكونا مدفوع بأن تكون السماء مذكور فيما بعد ولا معنى لتقديم الأمر بإظهار الآثار والمنافع قبل ذكر التكون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت