فهرس الكتاب

الصفحة 3650 من 4314

قوله تعالى:"و قال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس"محكي قول يقولونه وهم في النار ، يسألون الله أن يريهم متبوعيهم من الجن والإنس ليجعلوهما تحت أقدامهم إذلالا لهما وتشديدا لعذابهما كما يشعر به قولهم ذيلا:"نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين".

قوله تعالى:"إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة"إلخ قال الراغب: الاستقامة تقال في الطريق الذي يكون على خط مستو ، وبه شبه طريق الحق نحو"اهدنا الصراط المستقيم".

قال: واستقامة الإنسان لزومه المنهج المستقيم نحو قوله:"إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا".

انتهى.

وفي الصحاح ،: الاستقامة الاعتدال يقال: استقام له الأمر.

انتهى.

فالمراد بقوله:"ثم استقاموا لزوم وسط الطريق من غير ميل وانحراف والثبات على القول الذي قالوه ، قال تعالى:"فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم:"التوبة: - 7 وقال:"و استقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم:"الشورى: - 15 وما ورد فيها من مختلف التفاسير يرجع إلى ما ذكر."

والآية وما يتلوها بيان حسن حال المؤمنين كما كانت الآيات قبلها بيان سوء حال الكافرين.

وقوله:"تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون"إخبار عما سيستقبلهم به الملائكة من تقوية قلوبهم وتطييب نفوسهم والبشرى بالكرامة.

فالملائكة يؤمنونهم من الخوف والحزن ، والخوف إنما يكون من مكروه متوقع كالعذاب الذي يخافونه والحرمان من الجنة الذي يخشونه ، والحزن إنما يكون من مكروه واقع وشر لازم كالسيئات التي يحزنون من اكتسابها والخيرات التي يحزنون لفوتها عنهم فيطيب الملائكة أنفسهم أنهم في أمن من أن يخافوا شيئا أو يحزنوا لشيء فالذنوب مغفورة لهم والعذاب مصروف عنهم.

ثم يبشرونهم بالجنة الموعودة بقولهم:"و أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون"وفي قولهم:"كنتم توعدون"دلالة على أن تنزلهم بهذه البشرى عليهم إنما هو بعد الحياة الدنيا.

قوله تعالى:"نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة"إلخ من تتمة البشارة ، وعلى هذا فذكر ولايتهم لهم في الحياة الدنيا مع انقضاء وقتها كما تقدم من باب التوطئة والتمهيد إلى ذكر الآخرة للإشارة إلى أن ولاية الآخرة مترتبة على ولاية الدنيا فكأنه قيل نحن أولياؤكم في الآخرة كما كنا - لما كنا - أولياءكم في الحياة الدنيا وسنتولى أمركم بعد هذا كما توليناه قبل.

وكون الملائكة أولياء لهم لا ينافي كونه تعالى هو الولي لأنهم وسائط الرحمة والكرامة ليس لهم من الأمر شيء ، ولعل ذكر ولايتهم لهم في الآية دون ولايته تعالى للمقابلة والمقايسة بين أوليائه تعالى وأعدائه إذ قال في حق أعدائه:"و قيضنا لهم قرناء"إلخ وقال في حق أوليائه عن لسان ملائكته:"نحن أولياؤكم".

وبالمقابلة يستفاد أن المراد ولايتهم لهم بالتسديد والتأييد فإن الملائكة المسددين هم المخصوصون بأهل ولاية الله وأما الملائكة الحرس وموكلو الأرزاق والآجال وغيرهم فمشتركون بين المؤمن والكافر.

وقيل: الآية من كلام الله دون الملائكة.

وقوله:"و لكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون"ضمير"فيها"في الموضعين للآخرة ، وأصل الشهوة نزوع النفس بقوة من قواها إلى ما تريده تلك القوة وتلتذ به كشهوة الطعام والشراب والنكاح ، وأصل الادعاء - وهو افتعال من الدعاء - هو الطلب فالجملة الثانية أعني قوله:"و لكم فيها ما تدعون"أوسع نطاقا من الأولى أعني قوله:"لكم فيها ما تشتهي أنفسكم"فإن الشهوة طلب خاص ومطلق الطلب أعم منها.

فالآية تبشرهم بأن لهم في الآخرة ما يمكن أن تتعلق به شهواتهم من أكل وشرب ونكاح وغير ذلك بل ما هو أوسع من ذلك وأعلى كعبا وهو أن لهم ما يشاءون فيها كما قال تعالى:"لهم ما يشاءون فيها: ق - 35."

قوله تعالى:"و من أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين"الآية اتصال بقوله السابق:"و قال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ، والغوا فيه"الآية فإنهم كانوا يخاصمون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ينازعون القرآن ، وقد ذكر في أول السورة قولهم:"قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه"الآية فأيد سبحانه في هذه الآية نبيه بأن قوله وهو دعوته أحسن القول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت