فقوله:"و من أحسن قولا ممن دعا إلى الله"المراد به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كان لفظ الآية يعم كل من دعا إلى الله ولما أمكن أن يدعو الداعي إلى الله لغرض فاسد وليست الدعوة التي هذا شأنها من القول الأحسن قيده بقوله:"و عمل صالحا"فإن العمل الصالح يكشف عن نية صالحة غير أن العمل الصالح لا يكشف عن الاعتقاد الحق والالتزام به ، ولا حسن في قول لا يقول به صاحبه ولذا قيده بقوله:"و قال إنني من المسلمين"والمراد بالقول الرأي والاعتقاد على ما يعطيه السياق.
فإذا تم الإسلام لله والعمل الصالح للإنسان ثم دعا إلى الله كان قوله أحسن القول لأن أحسن القول أحقه وأنفعه ولا قول أحق من كلمة التوحيد ولا أنفع منها وهي الهادية للإنسان إلى حاق سعادته.
قوله تعالى:"لا تستوي الحسنة ولا السيئة"الآية لما ذكر أحسن القول وأنه الدعوة إلى الله والقائم به حقا هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التفت إليه ببيان أحسن الطريق إلى الدعوة وأقربها من الغاية المطلوبة منها وهي التأثير في النفوس فخاطبه بقوله:"لا تستوي"إلخ.
فقوله:"لا تستوي الحسنة ولا السيئة"أي الخصلة الحسنة والسيئة من حيث حسن التأثير في النفوس ، و"لا"في"لا السيئة"زائدة لتأكيد النفي.
وقوله:"ادفع بالتي هي أحسن"استئناف في معنى دفع الدخل كأن المخاطب لما سمع قوله:"لا تستوي"إلخ قال: فما ذا أصنع؟ فقيل:"ادفع"إلخ والمعنى ادفع بالخصلة التي هي أحسن الخصلة السيئة التي تقابلها وتضادها فادفع بالحق الذي عندك باطلهم لا بباطل آخر وبحلمك جهلهم وبعفوك إساءتهم وهكذا.
وقوله:"فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم"بيان لأثر الدفع بالأحسن ونتيجته والمراد أنك إن دفعت بالتي هي أحسن فاجأك أن عدوك صار كأنه ولي شفيق.
قيل:"الذي بينك وبينه عداوة"أبلغ من"عدوك"ولذا اختاره عليه مع اختصاره.
ثم عظم الله سبحانه الدفع بالتي هي أحسن ومدحه أحسن التعظيم وأبلغ المدح بقوله:"و ما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم"أي ذو نصيب وافر من كمال الإنسانية وخصال الخير.
وفي الآية مع ذلك دلالة ظاهرة على أن الحظ العظيم إنما يوجد لأهل الصبر خاصة.
قوله تعالى:"و إما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم"النزغ النخس وهو غرز جنب الدابة أو مؤخرها بقضيب ونحوه ليهيج ، و"ما"في"إما ينزغنك"زائدة والأصل وإن ينزغنك فاستعذ.
والنازغ هو الشيطان أو تسويله ووسوسته ، والأول هو الأنسب لمقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه لا سبيل للشيطان إليه بالوسوسة غير أنه يمكن أن يقلب له الأمور بالوسوسة على المدعوين من أهل الكفر والجحود فيبالغوا في جحودهم ومشاقتهم وإيذائهم له فلا يؤثر فيهم الدفع بالأحسن ويؤول هذا إلى نزغ من الشيطان بتشديد العداوة في البين كما في قوله:"من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي:"يوسف: - 100 ، قال تعالى:"و ما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته"الآية: الحج: - 52.
ولو حمل على الوجه الثاني فالمتعين حمله على مطلق الدستور تتميما للأمر ، وهو بوجه من باب"إياك أعني واسمعي يا جارة".
وقوله:"فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم"العوذ والعياذ بكسر العين والمعاذ والاستعاذة بمعنى وهو الالتجاء والمعنى فالتجىء بالله من نزغه إنه هو السميع لمسألتك العليم بحالك أو السميع لأقوالكم العليم بأفعالكم.
قوله تعالى:"و من آياته الليل والنهار والشمس والقمر"إلخ لما ذكر سبحانه كون دعوته (صلى الله عليه وآله وسلم) أحسن القول ووصاه أن يدفع بأحسن الخصال عاد إلى أصل الدعوة فاحتج على الوحدانية والمعاد في هذه الآيات الثلاث.
فقوله:"و من آياته الليل والنهار"إلخ احتجاج بوحدة التدبير واتصاله على وحدة الرب المدبر ، وبوحدة الرب على وجوب عبادته وحده ، ولذلك عقبه بقوله"لا تسجدوا للشمس ولا للقمر"إلخ.