فهرس الكتاب

الصفحة 3657 من 4314

و الآية نظيرة قوله في قصة صاحب الجنة:"ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا:"الكهف: - 36.

وقد تقدم بعض الكلام فيه.

وقوله:"فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ"تهديد ووعيد.

قوله تعالى:"و إذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض"النأي الابتعاد ، والمراد بالجانب الجارحة وهي الجنب أو المراد الجهة والمكان فقوله:"نأى بجانبه"كناية عن الابتعاد بنفسه وهو كناية عن التكبر والخيلاء ، والمراد بالعريض الوسيع ، والدعاء العريض كالدعاء الطويل كناية عما استمر وأصر عليه الداعي ، والآية في مقام ذم الإنسان وتوبيخه أنه إذا أنعم الله عليه أعرض عنه وتكبر وإذا سلب النعمة ذكر الله وأقبل عليه بالدعاء مستمرا مصرا.

قوله تعالى:"قل أ رأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد""أ رأيتم"أي أخبروني ، والشقاق والمشاقة الخلاف ، والشقاق البعيد الخلاف الذي لا يقارب الوفاق وهو شديده ، وقوله:"ممن هو في شقاق بعيد"كناية عن المشركين ولم يقل: منكم بل أتى بالموصول والصلة وذلك في معنى الصفة ليدل على علة الحكم وهو الشقاق البعيد من الحق.

والمعنى: قل للمشركين أخبروني إن كان هذا القرآن من عند الله ثم كفرتم به من أضل منكم؟ أي لا أضل منكم لأنكم في خلاف بعيد من حق ما فوقه حق.

فمفاد الآية أن القرآن يدعوكم إلى الله ناطقا بأنه من عند الله فلا أقل من احتمال صدقه في دعواه وهذا يكفي في وجوب النظر في أمره دفعا للضرر المحتمل وأي ضرر أقوى من الهلاك الأبدي فلا معنى لإعراضكم عنه بالكلية.

قوله تعالى:"سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق"إلخ ، الآفاق جمع أفق وهو الناحية ، والشهيد بمعنى الشاهد أو بمعنى المشهود وهو المناسب لسياق الآية.

وضمير"أنه"للقرآن على ما يعطيه سياق الآية ويؤيده الآية السابقة التي تذكر كفرهم بالقرآن ، وعلى هذا فالآية تعد إراءة آيات في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين بها كون القرآن حقا ، والآيات التي شأنها إثبات حقية القرآن هي الحوادث والمواعيد التي أخبر القرآن أنها ستقع كإخباره بأن الله سينصر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين ويمكن لهم في الأرض ويظهر دينهم على الدين كله وينتقم من مشركي قريش إلى غير ذلك.

فأمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالهجرة إلى المدينة وقد اشتد الأمر عليه وعلى من آمن به غايتها فلا سماء تظلهم ولا أرض تقلهم ثم قتل صناديد قريش في بدر ولم يزل يرفع ذكره ويفتح على يديه حتى فتح مكة ودانت له جزيرة العرب ثم فتح بعد رحلته للمسلمين معظم المعمورة فأرى سبحانه المشركين آياته في الآفاق وهي النواحي التي فتحها للمسلمين ونشر فيها دينهم ، وفي أنفسهم وهو قتلهم الذريع في بدر.

وليست هذه آيات في أنفسها فكم من فتح وغلبة يذكره التاريخ ومقاتل ذريعة يقصها لكنها آيات بما أن الله سبحانه وعد بها والقرآن الكريم أخبر بها قبل وقوعها ثم وقعت على ما أخبر بها.

ويمكن أن يكون المراد بإراءة الآيات وتبين الحق بذلك ما يستفاد من آيات أخرى أن الله سيظهر دينه بتمام معنى الظهور على الدين كله فلا يعبد على الأرض إلا الله وحده وتظل السعادة على النوع الإنساني وهي الغاية لخلقتهم ، وقد تقدم استفادة ذلك من قوله تعالى:"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض"الآية: النور: - 55 وغيره وأيدناه بالدليل العقلي.

والفرق بين الوجهين أن وجه الكلام على الأول إلى مشركي مكة ومن يتبعهم خاصة وعلى الثاني إلى مشركي الأمة عامة والخطاب على أي حال اجتماعي ، ويمكن الجمع بين الوجهين.

ويمكن أن يكون المراد ما يشاهده الإنسان في آخر لحظة من لحظات حياته الدنيا حيث تطير عنه الأوهام وتضل عنه الدعاوي وتبطل الأسباب ولا يبقى إلا الله عز اسمه ويؤيده ذيل الآية والآية التالية ، وضمير"أنه الحق"على هذا لله سبحانه.

ولهم في الآية أقوال أخرى أغمضنا عن إيرادها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت