و الله سبحانه هو المالك لكل شيء لا مالك سواه لكون كل شيء بوجوده وآثار وجوده قائما به تعالى فله الحكم والقضاء بالحق قال تعالى:"كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون": القصص: 88 ، وقال:"إن الله يحكم ما يريد": المائدة: 2 وقال:"الحق من ربك": آل عمران: 60.
وحكمه تعالى إما تكويني وهو تحقيقه وتثبيته المسببات قبال الأسباب المجتمعة عليها المتنازعة فيها بتقديم ما نسميه سببا تاما على غيره قال تعالى حاكيا عن يعقوب (عليه السلام) :"إن الحكم إلا لله عليه توكلت": يوسف: 67 وإما تشريعي كالتكاليف الموضوعة في الدين الإلهي الراجعة إلى الاعتقاد والعمل قال تعالى:"إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم": يوسف: 40.
وهناك قسم ثالث من الحكم يمكن أن يعد من كل من القسمين السابقين بوجه وهو حكمه تعالى يوم القيامة بين عباده فيما اختلفوا فيه وهو إعلانه وإظهاره الحق يوم القيامة لأهل الجمع يشاهدونه مشاهدة عيان وإيقان فيسعد به وبآثاره من كان مع الحق ويشقى بالاستكبار عليه وتبعات ذلك من استكبر عليه قال تعالى:"فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون": البقرة: 113.
ثم إن اختلاف الناس في عقائدهم وأعمالهم اختلاف تشريعي لا يرفعه إلا الأحكام والقوانين التشريعية ولو لا الاختلاف لم يجود قانون كما يشير إليه قوله تعالى:"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه": البقرة: 213 ، وقد تبين أن الحكم التشريعي لله سبحانه فهو الولي في ذلك فيجب أن يتخذ وحده وليا فيعبد ويدان بما أنزله من الدين.
وهذا معنى قوله:"و ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله"ومحصل الحجة أن الولي الذي يعبد ويدان له يجب أن يكون رافعا لاختلافات من يتولونه مصلحا لما فسد من شئون مجتمعهم سائقا لهم إلى سعادة الحياة الدائمة بما يضعه عليهم من الحكم وهو الدين ، والحكم في ذلك إلى الله سبحانه ، فهو الولي الذي يجب أن يتخذ وليا لا غير.
وللقوم في تفسير الآية أعني قوله:"و ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله"تفاسير أخر فقيل: هو حكاية قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للمؤمنين أي ما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين فاختلفتم أنتم وهم فيه من أمر من أمور الدين ، فحكم ذلك المختلف فيه مفوض إلى الله وهو إثابة المحقين فيه من المؤمنين ومعاقبة المبطلين ذكره صاحب الكشاف.
وقيل معناه ما اختلفتم فيه وتنازعتم في شيء من الخصومات فتحاكموا فيه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا تؤثروا على حكومته حكومة غيره كقوله تعالى:"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول".
وقيل: المعنى ما اختلفتم فيه من تأويل آية واشتبه عليكم فارجعوا في بيانه إلى محكم كتاب الله وظاهر سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقيل: المعنى وما اختلفتم فيه من العلوم مما لا يتصل بتكليفكم ولا طريق لكم إلى علمه فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح قال تعالى:"و يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي".
والآية على جميع هذه الأقوال من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إما بنحو الحكاية وإما بتقدير"قل"في أولها.
وأنت بالتدبر في سياق الآيات ثم الرجوع إلى ما تقدم لا ترتاب في سقوط هذه الأقوال.
قوله تعالى:"ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب"كلام محكي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإشارة بذلكم إلى من أقيمت الحجج في الآيتين على وجوب اتخاذه وليا وهو الله سبحانه ، ولازم ولايته ربوبيته.
لما أقيمت الحجج على أنه تعالى هو الولي لا ولي غيره أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بإعلام أنه الله وأنه اتخذه وليا بالاعتراف له بالربوبية التي هي ملك التدبير ثم عقب ذلك بالتصريح بما للاتخاذ المذكور من الآثار وهو قوله:"عليه توكلت وإليه أنيب".