فهرس الكتاب

الصفحة 3671 من 4314

و ذلك أن ولاية الربوبية تتعلق بنظام التكوين بتدبير الأمور وتنظيم الأسباب والمسببات بحيث يتعين بها للمخلوق المدبر كالإنسان مثلا ما قدر له من الوجود والبقاء ، وتتعلق بنظام التشريع وهو تدبير أعمال الإنسان بجعل قوانين وأحكام يراعيها الإنسان بتطبيق أعماله عليها في مسير حياته لتنتهي به إلى كمال سعادته.

ولازم اتخاذه تعالى ربا وليا من جهة التكوين إرجاع أمر التدبير إليه بالانقطاع عن الأسباب الظاهرية والركون إليه من حيث أنه سبب غير مغلوب ينتهي إليه كل سبب وهذا هو التوكل ، ومن جهة التشريع الرجوع إلى حكمه في كل واقعة يستقبله الإنسان في مسير حياته وهذا هو الإنابة فقوله:"عليه توكلت وإليه أنيب"أي أرجع في جميع أموري ، تصريح بإرجاع الأمر إليه تكوينا وتشريعا.

قوله تعالى:"فاطر السماوات والأرض"إلى آخر الآية لما صرح بأنه تعالى هو ربه لقيام الحجج على أنه هو الولي وحده عقب ذلك بإقامة الحجة في هذه الآية والتي بعدها على ربوبيته تعالى وحده.

ومحصل الحجة: أنه تعالى موجد الأشياء وفاطرها بالإخراج من كتم العدم إلى الوجود وقد جعلكم أزواجا فكثركم بذلك وجعل من الأنعام أزواجا فكثرها بذلك لتنتفعوا بها ، وهذا خلق وتدبير ، وهو سميع لما يسأله خلقه من الحوائج فيقضي لكل ما يستحقه من الحاجة ، بصير لما يعمله خلقه من الأعمال فيجازيهم بما عملوا وهو الذي يملك مفاتيح خزائن السماوات والأرض التي ادخر فيها ما لها من خواص وجودها وآثاره مما يتألف منها بظهورها النظام المشهود وهو الذي يرزق المرزوقين فيوسع في رزقهم ويضيق عن علم منه بذلك.

وهذا كله من التدبير فهو الرب المدبر للأمور.

فقوله:"فاطر السماوات والأرض"أي موجدها من كتم العدم على سبيل الإبداع.

وقوله:"جعل لكم من أنفسكم أزواجا"وذلك بخلق الذكر والأنثى للذين يتم بتزاوجهما أمر التوالد والتناسل وتكثر الأفراد"و من الأنعام أزواجا"أي وجعل من الأنعام أزواجا"يذرؤكم فيه"أي يكثركم في هذا الجعل ، والخطاب في"يذرؤكم"للإنسان والأنعام بتغليب جانب العقلاء على غيرهم كما ذكره الزمخشري.

وقوله:"ليس كمثله شيء"أي ليس مثله شيء ، فالكاف زائدة للتأكيد وله نظائر كثيرة في كلام العرب.

وقوله:"و هو السميع البصير"أي السميع لما يرفع إليه من مسائل خلقه البصير لأعمال خلقه قال تعالى:"يسأله من في السماوات والأرض": الرحمن: 29 ، وقال:"و آتاكم من كل ما سألتموه": إبراهيم: 34 ، وقال:"و الله بما تعملون بصير": الحديد: 4.

قوله تعالى:"له مقاليد السماوات والأرض"إلى آخر الآية المقاليد المفاتيح وفي إثبات المقاليد للسماوات والأرض دلالة على أنها خزائن لما يظهر في الكون من الحوادث والآثار الوجودية.

وقوله:"يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر"بسط الرزق توسعته وقدره تضييقه والرزق كل ما يمد به البقاء ويرتفع به حاجة من حوائج الوجود في استمراره.

وتذييل الكلام بقوله:"إنه بكل شيء عليم"للإشارة إلى أن الرزق واختلافه في موارده بالبسط والقدر ليس على سبيل المجازفة جهلا بل عن علم منه تعالى بكل شيء فرزق كل مرزوق على علم منه بما يستدعيه المرزوق بحسب حاله والرزق بحسب حاله وما يحف بهما من الأوضاع والأحوال الخارجية ، وهذا هو الحكمة فهو يبسط ويقدر بالحكمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت