فهرس الكتاب

الصفحة 3674 من 4314

و قيل: الضميران لله تعالى ، ولا بأس به لكن ما تقدم هو الأنسب ، وعلى أي حال قوله:"الله يجتبي إليه"إلى آخر الآية موضوع موضع الاستغناء عن إيمان المشركين المستكبرين للإيمان نظير قوله تعالى:"فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون": حم السجدة: 38.

وقيل: المراد بما تدعوهم إليه ما تدعوهم إلى الإيمان به وهو الرسالة أي إن رسالتك كبرت عليهم ، وقوله:"الله يجتبي"إلخ في معنى قوله:"الله أعلم حيث يجعل رسالته": الأنعام: 124 وهو خلاف الظاهر.

قوله تعالى:"و ما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم"إلى آخر الآية ضمير"تفرقوا"للناس المفهوم من السياق ، والبغي الظلم أو الحسد ، وتقييده بقوله:"بينهم"للدلالة على تداوله ، والمعنى وما تفرق الناس الذين شرعت لهم الشريعة باختلافهم وتركهم الاتفاق إلا حال كون تفرقهم آخذا - أو ناشئا - من بعد ما جاءهم العلم بما هو الحق ظلما أو حسدا تداولوه بينهم.

وهذا هو الاختلاف في الدين المؤدي إلى الانشعابات والتحزبات الذي ينسبه الله سبحانه في مواضع من كلامه إلى البغي ، وأما الاختلاف المؤدي إلى نزول الشريعة وهو الاختلاف في شئون الحياة والتفرق في أمور المعاش فهو أمر عائد إلى اختلاف طبائع الناس في مقاصدهم وهو الذريعة إلى نزول الوحي وتشريع الشرع لرفعه كما يشير إليه قوله:"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين": البقرة: 213 كما تقدم في تفسير الآية.

وقوله:"و لو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم"المراد بالكلمة مثل قوله: حين إهباط آدم (عليه السلام) إلى الأرض:"و لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين": البقرة: 36.

والمعنى: ولو لا أن الله قضى فيهم الاستقرار والتمتع في الأرض إلى أجل سماه وعينه لقضي بينهم إثر تفرقهم في دينه وانحرافهم عن سبيله فأهلكهم باستدعاء من هذا الذنب العظيم.

وقول القائل: إن الله قد قضى وأهلك كما يقصه في قصص نوح وهود وصالح (عليهما السلام) وقد قال تعالى:"و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط": يونس: 47.

مدفوع بأن ما قصه تعالى من القضاء والإهلاك إنما هو في أمم الأنبياء في زمانهم من المكذبين بين الرادين عليهم وما نحن فيه من قوله:"و لو لا كلمة سبقت من ربك"الآية في أممهم بعدهم وهو واضح من السياق.

وقوله:"و إن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب"ضمير"من بعدهم"لأولئك الذين تفرقوا من بعد علم بغيا بينهم وهم الأسلاف ، والذين أورثوا الكتاب من بعدهم أخلافهم فمفاد الآية أن البادئين بالاختلاف المؤسسين للتفرقة كانوا على علم من الحق وإنما أبدعوا ما أبدعوا ، بغيا بينهم ، وأخلافهم الذين أورثوا الكتاب من بعدهم في شك مريب - موقع في الريب - منه.

وما أوردناه في معنى الآية هو الذي يعطيه السياق ، ولهم في تفسيرها أقاويل كثيرة لا جدوى في إسقاطها فليرجع في الوقوف عليها إلى كتبهم.

قوله تعالى:"فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم"إلى آخر الآية.

تفريع على ما ذكر من شرع دين واحد لجميع الأنبياء وأممهم ثم انقسام أممهم إلى أسلاف اختلفوا في الدين عن علم بغيا ، وإلى أخلاف شاكين مرتابين فيما أورثوه من الكتاب أي فلأجل أنه شرع لكم جميع ما شرع لمن قبلكم فادع ولأجل ما ذكر من تفرق بعضهم بغيا وارتياب آخرين فاستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم.

واللام في قوله:"فلذلك"للتعليل ، وقيل: اللام بمعنى إلى أي إلى ما شرع لكم من الدين فادع واستقم كما أمرت ، والاستقامة - كما ذكره الراغب - لزوم المنهاج المستقيم ، وقوله:"و لا تتبع أهواءهم"كالمفسر له.

وقوله:"و قل آمنت بما أنزل الله من كتاب"تسوية بين الكتب السماوية من حيث تصديقها والإيمان بها وهي الكتب المنزلة من عند الله المشتملة على الشرائع.

وقوله:"و أمرت لأعدل بينكم"قيل: اللام زائدة للتأكيد نظير قوله:"و أمرنا لنسلم لرب العالمين": الأنعام: 71 ، والمعنى: وأمرت أن أعدل بينكم أي أسوي بينكم فلا أقدم قويا على ضعيف ولا غنيا على فقير ولا كبيرا على صغير ، ولا أفضل أبيض على أسود ولا عربيا على عجمي ولا هاشميا أو قرشيا على غيره فالدعوة متوجهة إلى الجميع ، والناس قبال الشرع الإلهي سواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت