فهرس الكتاب

الصفحة 3675 من 4314

فقوله:"آمنت بما أنزل الله من كتاب"تسوية بين الكتب المنزلة من حيث الإيمان بها ، وقوله:"و أمرت لأعدل بينكم"تسوية بين الناس من حيث الدعوة وتوجه ما جاء به من الشرع.

وقيل: اللام في"لأعدل بينكم"للتعليل ، والمعنى: وأمرت بما أمرت لأجل أن أعدل بينكم ، وكذا قيل: المراد بالعدل العدل في الحكم ، وقيل: العدل في القضاء بينكم ، وقيل غير ذلك ، وهذه معان بعيدة لا يساعد عليها السياق.

وقوله:"الله ربنا وربكم"إلخ ، في مقام التعليل لما ذكر من التسوية بين الكتب والشرائع في الإيمان بها وبين الناس في دعوتهم وشمول الأحكام لهم ، ولذا جيء في الكلام بالفصل من غير عطف.

فقوله:"الله ربنا وربكم"يشير إلى أن رب الكل هو الله الواحد تعالى فليس لهم أرباب كثيرون حتى يلحق كل بربه ويتفاضلوا بالأرباب ويقتصر كل منهم بالإيمان بشريعة ربه بل الله هو رب الجميع وهم جميعا عباده المملوكون له المدبرون بأمره والشرائع المنزلة على الأنبياء من عنده فلا موجب للإيمان ببعضها دون بعض كما يؤمن اليهود بشريعة موسى دون من بعده وكذا النصارى بشريعة عيسى دون محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بل الواجب الإيمان بكل كتاب نازل من عنده لأنها جميعا من عنده.

وقوله:"لنا أعمالنا ولكم أعمالكم"يشير إلى أن الأعمال وإن اختلفت من حيث كونها حسنة أو سيئة ومن حيث الجزاء ثوابا أو عقابا إلا أنها لا تتعدى عاملها فلكل امرىء ما عمل فلا ينتفع أحد بعمل آخر ولا يتضرر بعمل غيره فليس له أن يقدم امرأ للانتفاع بعمله أو يؤخر امرأ للتضرر بعمله نعم في الأعمال تفاضل تختلف به درجات العاملين لكن ذلك إلى الله فيما يحاسب به عباده لا إلى الناس - النبي فمن دونه - الذين هم جميعا عباد مملوكون لا يملك منهم نفس من نفس شيئا ، وهذا هو الذي ذكره تعالى في محاورة نوح (عليه السلام) قومه:"قالوا أ نؤمن لك واتبعك الأرذلون قال وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون": الشعراء: 113 ، وكذا قوله يخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء": الأنعام: 52.

وقوله:"لا حجة بيننا وبينكم"لعل المراد أنه لا حجة تدل على تقدم بعض على بعض تكون فيما بيننا يقيمها بعض على بعض يثبت بها تقدمه عليه.

ويمكن أن يكون نفي الحجة كناية عن نفي لازمها وهو الخصومة أي لا خصومة بيننا بتفاوت الدرجات لأن ربنا واحد ونحن في أننا جميعا عباده واحد ولكل نفس ما عملت فلا حجة في البين أي لا خصومة حتى تتخذ لها حجة.

ومن هنا يظهر أن لا وجه لقول بعضهم في تفسير الجملة: أي لا احتجاج ولا خصومة لأن الحق قد ظهر فلم يبق للاحتجاج حاجة ولا للمخالفة محمل سوى المكابرة والعناد انتهى.

إذ الكلام مسوق لبيان ما أمر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في نفسه وفي أمته من سنة التسوية لا لإثبات شيء من أصول المعارف حتى تحمل الحجة على ما حملها عليه.

وقوله:"الله يجمع بيننا"المراد بضمير التكلم فيه مجموع المتكلم والمخاطب في الجمل السابقة ، والمراد بالجمع جمعه تعالى إياهم يوم القيامة للحساب والجزاء على ما قيل.

وغير بعيد أن يراد بالجمع جمعه تعالى بينهم في الربوبية فهو رب الجميع والجميع عباده فيكون قوله:"الله يجمع بيننا"تأكيدا لقوله السابق:"الله ربنا وربكم"وتوطئة وتمهيدا لقوله:"و إليه المصير"ويكون مفاد الجملتين أن الله هو مبدئنا لأنه ربنا جميعا وإليه منتهانا لأنه إليه المصير فلا موجد لما بيننا إلا هو عز اسمه.

وكان مقتضى الظاهر في التعليل أن يقال:"الله ربي وربكم لي عملي ولكم أعمالكم لا حجة بيني وبينكم على محاذاة قوله:"آمنت""و أمرت لأعدل"لكن عدل عن المتكلم وحده إلى المتكلم مع الغير لدلالة قوله السابق:"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا"إلخ ، وقوله:"الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب"إن هناك قوما يؤمنون بما آمن به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويلبون دعوته ويتبعون شريعته."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت