فهرس الكتاب

الصفحة 3678 من 4314

و قيل: المراد به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويمكن إرجاعه إلى ما قدمناه من الوجه لأن النبي مصداق كامل ومثل أعلى للدين بأصوله وفروعه ولكل فرد من أمته من الزنة الدينية قدر ما يشابهه ويماثله لكن لا يلائم هذا الوجه ما تقدم نقله آنفا من آية سورة الحديد كثير ملاءمة.

وقوله:"و ما يدريك لعل الساعة قريب"لما كان الميزان المشعر بالحساب والجزاء يومىء إلى البعث والقيامة انتقل إلى الكلام فيه وإنذارهم بما سيستقبلهم فيه من الأهوال والتبشير بما أعد فيه للصالحين.

والإدراء الإعلام ، والمراد بالساعة - على ما قيل - إتيانها ولذا جيء بالخبر مذكرا ، والمعنى: ما الذي يعلمك لعل إتيان الساعة قريب والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعنوان أنه سامع فيشمل كل من له أن يسمع ويعم الإنذار والتخويف.

قوله تعالى:"يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها"إلخ المراد استعجالهم استعجال سخرية واستهزاء وقد تكرر في القرآن نقل قولهم:"متى هذا الوعد إن كنتم صادقين".

والإشفاق نوع من الخوف ، قال الراغب: الإشفاق عناية مختلطة بخوف لأن المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه ، قال تعالى:"و هم من الساعة مشفقون"فإذا عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر ، وإذا عدي بفي فمعنى العناية فيه أظهر ، قال تعالى:"إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين""مشفقون منها"انتهى.

وقوله:"ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد"المماراة الإصرار على الجدال ، والمراد إلحاحهم على إنكارها بالجدال ، وإنما كانوا في ضلال بعيد لأنهم أخطئوا طريق الحياة التي أصابتها أهم ما يتصور للإنسان فتوهموها حياة مقطوعة فانية انكبوا فيها على شهوات الدنيا وإنما هي حياة خالده باقية يجب عليهم أن يتزودوا من دنياهم لأخراهم لكنهم ضلوا عن سبيل الرشد فوقعوا في سبيل الغي.

قوله تعالى:"الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز"في معنى اللطف شيء من الرفق وسهولة الفعل وشيء من الدقة في ما يقع عليه الفعل فإذا تم الرفق والدقة وكان الفاعل يفعل برفق وسهولة ويقع فعله على الأمور الدقيقة كان لطيفا كالهواء النافذ في منافذ الأجسام برفق وسهولة المماس لدقائق أجزائها الباطنة.

وإذا ألقيت الخصوصيات المادية عن هذا المعنى صح أن يتصف به الله سبحانه فإنه تعالى ينال دقائق الأمور بإحاطته وعلمه ويفعل فيها ما يشاء برفق فهو لطيف.

وقد رتب الرزق في الآية على كونه تعالى لطيفا بعباده قويا عزيزا دلالة على أنه تعالى بلطفه لا يغيب عنه أحد ممن يشاء أن يرزق ولا يعصيه وبقوته عليه لا يعجز عنه وبعزته لا يمنعه مانع عنه.

والمراد بالرزق ما يعم موهبة الدين الذي يتلبس بها من يشاء من عباده على ما يشهد به الآية التالية ، ولذا ألحق القول فيه بقوله:"الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان".

قوله تعالى:"من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه"إلخ ، الحرث الزرع والمراد به نتيجة الأعمال التي يؤتاها الإنسان في الآخرة على سبيل الاستعارة كان الأعمال الصالحة بذور وما تنتجه في الآخرة حرث.

والمراد بالزيادة له في حرثه تكثير ثوابه ومضاعفته ، قال تعالى:"من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها": الأنعام: 160 ، وقال:"و الله يضاعف لمن يشاء": البقرة: 261.

وقوله:"و من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب"أي ومن كان يريد النتائج الدنيوية بأن يعمل للدنيا ويريد نتيجة ما عمله فيها دون الآخرة نؤته من الدنيا وما له في الآخرة نصيب ، وفي التعبير بإرادة الحرث إشارة إلى اشتراط العمل لما يريده من الدنيا والآخرة كما قال تعالى:"و أن ليس للإنسان إلا ما سعى": النجم: 39.

وقد أبهم ما يعطيه من الدنيا إذ قال:"نؤته منها"إشارة إلى أن الأمر إلى المشية الإلهية فربما بسطت الرزق وربما قدرت كما قال تعالى:"من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد": إسراء: 18.

والالتفات من الغيبة إلى التكلم بالغير في قوله"نزد له"و"نؤته منها"للدلالة على العظمة التي يشعر بها قوله:"و هو القوي العزيز".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت