و المحصل من معنى الآيتين: أن الله سبحانه لطيف بعباده جميعا ذو قوة مطلقة وعزة مطلقة يرزق عباده على حسب مشيته وقد شاء في من أراد الآخرة وعمل لها أن يرزقه منها ويزيد فيه ، وفيمن أراد الدنيا وعمل لها فحسب أن يؤتيه منها وما له في الآخرة من نصيب.
ويظهر من ذلك أن الآية الأولى عامة تشمل الفريقين ، والمراد بالعباد ما يعم أهل الدنيا والآخرة ، وكذا الرزق وأن الآية الثانية في مقام تفصيل ما في قوله:"يرزق من يشاء"من الإجمال.
قوله تعالى:"أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله"إلى آخر الآية لما بين أن الله سبحانه هو الذي أنزل الكتاب بالحق وشرع لهم الدين الذي هو ميزان أعمالهم وأنه بلطفه وقوته وعزته يرزق من أراد الآخرة وعمل لها ما أراده منها ويزيد ، وإن من أراد الدنيا ونسي الآخرة لا نصيب له فيها سجل على من كفر بالآخرة عدم النصيب فيها بإنكار أن لا دين غير ما شرعه الله يدين به هؤلاء حتى يرزقوا بالعمل به مثل ما يرزق أهل الإيمان بالآخرة فيها إذ لا شريك لله حتى يشرع دينا غير ما شرعه الله من غير إذن منه تعالى فلا دين إلا لله ولا يرزق في الآخرة رزقا حسنا إلا من آمن بها وعمل لها.
فقوله:"أم لهم شركاء"إلخ ، في مقام الإنكار ، وقوله:"و لو لا كلمة الفصل لقضي بينهم"إشارة إلى الكلمة التي سبقت منه تعالى أنهم يعيشون في الأرض إلى أجل مسمى ، وفيه إكبار لجرمهم ومعصيتهم.
وقوله:"و إن الظالمين لهم عذاب أليم"وعيد لهم على ظلمهم ، وإشارة إلى أنهم لا يفوتونه تعالى فإن لم يقض بينهم ولم يعذبهم في الدنيا فلهم في الآخرة عذاب أليم.
قوله تعالى:"ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم"إلخ ، الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعنوان أنه سامع فيشمل كل من من شأنه أن يرى ، والمراد بالظالمين التاركون لدين الله الذي شرعه لعباده المعرضون عن الساعة ، والمعنى: يرى الراءون هؤلاء الظالمين يوم القيامة خائفين مما كسبوا من السيئات وهو واقع بهم لا مناص لهم عنه.
والآية من الآيات الظاهرة في تجسم الأعمال ، وقيل: في الكلام مضاف محذوف والتقدير مشفقين من وبال ما كسبوا ، ولا حاجة إليه.
وقوله:"و الذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات"في المجمع ،: أن الروضة الأرض الخضرة بحسن النبات ، والجنة الأرض التي تحفها الشجر فروضات الجنات الحدائق المشجرة المخضرة متونها.
وقوله:"لهم ما يشاءون عند ربهم"أي إن نظام الأسباب مطوي فيها بل السبب الوحيد هو إرادتهم وحدها يخلق الله لهم من عنده ما يشاءون ذلك هو الفضل الكبير.
وقوله:"ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات"تبشير للمؤمنين الصالحين ، وإضافة العباد تشريفية.
قوله تعالى:"قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى"الذي نفي سؤال الأجر عليه هو تبليغ الرسالة والدعوة الدينية ، وقد حكى الله ذلك عن عدة ممن قبله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الرسل كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب فيما حكي مما يخاطب كل منهم أمته:"و ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين"الشعراء وغيرها.
وقد حكي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك إذ قال:"و ما تسألهم عليه من أجر": يوسف: 104 ، وقد أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخاطب الناس بذلك بتعبيرات مختلفة حيث قال:"قل ما أسألكم عليه من أجر": ص 86 ، وقال:"قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله": سبأ: 47 ، وقال:"قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين": الأنعام: 90 ، فأشار إلى وجه النفي وهو أنه ذكرى للعالمين لا يختص ببعض دون بعض حتى يتخذ عليه الأجر.
وقال:"قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا": الفرقان: 57 ، ومعناه على ما مر في تفسير الآية: إلا أن يشاء أحد منكم أن يتخذ إلى ربه سبيلا أي يستجيب دعوتي باختياره فهو أجري أي لا شيء هناك وراء الدعوة أي لا أجر.