و قال تعالى في هذه السورة:"قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى"فجعل أجر رسالته المودة في القربى ، ومن المتيقن من مضامين سائر الآيات التي في هذا المعنى أن هذه المودة أمر يرجع إلى استجابة الدعوة إما استجابة كلها وإما استجابة بعضها الذي يهتم به وظاهر الاستثناء على أي حال أنه متصل بدعوى كون المودة من الأجر ولا حاجة إلى ما تمحله بعضهم بتقريب الانقطاع فيه.
وأما معنى المودة في القربى فقد اختلف فيه تفاسيرهم: فقيل - ونسب إلى الجمهور - أن الخطاب لقريش والأجر المسئول هو مودتهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقرابته منهم وذلك لأنهم كانوا يكذبونه ويبغضونه لتعرضه لآلهتهم على ما في بعض الأخبار فأمر (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسألهم: إن لم يؤمنوا به فليودوه لمكان قرابته منهم ولا يبغضوه ولا يؤذوه فالقربى مصدر بمعنى القرابة ، وفي للسببية.
وفيه أن معنى الأجر إنما يتم إذا قوبل به عمل يمتلكه معطي الأجر فيعطي العامل ما يعادل ما امتلكه من مال ونحوه فسؤال الأجر من قريش وهم كانوا مكذبين له كافرين بدعوته إنما كان يصح على تقدير إيمانهم به (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنهم على تقدير تكذيبه والكفر بدعوته لم يأخذوا منه شيئا حتى يقابلوه بالأجر ، وعلى تقدير الإيمان به - والنبوة أحد الأصول الثلاثة في الدين - لا يتصور بغض حتى تجعل المودة أجرا للرسالة ويسأل.
وبالجملة لا تحقق لمعنى الأجر على تقدير كفر المسئولين ولا تحقق لمعنى البغض على تقدير إيمانهم حتى يسألوا المودة.
وهذا الإشكال وارد حتى على تقدير أخذ الاستثناء منقطعا فإن سؤال الأجر منهم على أي حال إنما يتصور على تقدير إيمانهم والاستدراك على الانقطاع إنما هو عن الجملة بجميع قيودها فأجد التأمل فيه.
وقيل: المراد بالمودة في القربى ما تقدم والخطاب للأنصار فقد قيل: إنهم أتوه بمال ليستعين به على ما ينوبه فنزلت الآية فرده ، وقد كان له منهم قرابة من جهة سلمى بنت زيد النجارية ومن جهة أخوال أمه آمنة على ما قيل.
وفيه أن أمر الأنصار في حبهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوضح من أن يرتاب فيه ذو ريب وهم الذين سألوه أن يهاجر إليهم ، وبوءوا له الدار ، وفدوه بالأنفس والأموال والبنين وبذلوا كل جهدهم في نصرته وحتى في الإحسان على من هاجر إليهم من المؤمنين به ، وقد مدحهم الله تعالى بمثل قوله:"و الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفهسم ولو كان بهم خصاصة": الحشر: 9 ، وهذا مبلغ حبهم للمهاجرين إليهم لأجل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فما هو الظن في حبهم له؟.
وإذا كان هذا مبلغ حبهم فما معنى أن يؤمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتوسل إلى مودتهم بقرابته منهم هذه القرابة البعيدة؟.
على أن العرب ما كانت تعتني بالقرابة من جهة النساء ذاك الاعتناء وفيهم القائل: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا.
بنوهن أبناء الرجال الأباعد.
والقائل: وإنما أمهات الناس أوعية.
مستودعات وللأنساب آباء.
وإنما هو الإسلام أدخل النساء في القرابة وساوى بين أولاد البنين وأولاد البنات وقد تقدم الكلام في ذلك.
وقيل: الخطاب لقريش والمودة في القربى هي المودة بسبب القرابة غير أن المراد بها مودة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا مودة قريش كما في الوجه الأول ، والاستثناء منقطع ، ومحصل المعنى: أني لا أسألكم أجرا على ما أدعوكم إليه من الهدى الذي ينتهي بكم إلى روضات الجنات والخلود فيها ولا أطلب منكم جزاء لكن حبي لكم بسبب قرابتكم مني دفعني إلى أن أهديكم إليه وأدلكم عليه.