و فيه أنه لا يلائم ما يخده الله سبحانه له (صلى الله عليه وآله وسلم) في طريق الدعوة والهداية فإنه تعالى يسجل عليه في مواضع كثيرة من كلامه أن الأمر في هداية الناس إلى الله وليس له من الأمر شيء وأن ليس له أن يحزن لكفرهم وردهم دعوته وإنما عليه البلاغ فلم يكن له أن يندفع إلى هداية أحد لحب قرابة أو يعرض عن هداية آخرين لبغض أو كراهة ومع ذلك كله كيف يتصور أن يأمره الله بقوله:"قل لا أسألكم"الآية أن يخبر كفار قريش أنه إنما اندفع إلى دعوتهم وهدايتهم بسبب حبه لهم لقرابتهم منه لا لأجر يسألهم إياه عليه.
وقيل: المراد بالمودة في القربى مودة الأقرباء والخطاب لقريش أو لعامة الناس والمعنى: لا أسألكم على دعائي أجرا إلا أن تودوا أقرباءكم.
وفيه أن مودة الأقرباء على إطلاقهم ليست مما يندب إليه في الإسلام قال تعالى:"لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه": المجادلة: 22 ، وسياق هذه الآية لا يلائم كونها مخصصة أو مقيدة لعموم قوله:"إلا المودة في القربى"أو إطلاقه حتى تكون المودة للأقرباء المؤمنين هي أجر الرسالة على أن هذه المودة الخاصة لا تلائم خطاب قريش أو عامة الناس.
بل الذي يفيده سياق الآية أن الذي يندب إليه الإسلام هو الحب في الله من غير أن يكون للقرابة خصوصية في ذلك ، نعم هناك اهتمام شديد بأمر القرابة والرحم لكنه بعنوان صلة الرحم وإيتاء المال ، على حبه ذوي القربى لا بعنوان مودة القربى فلا حب إلا لله عز اسمه.
ولا مساغ للقول بأن المودة في القربى في الآية كناية عن صلتهم والإحسان إليهم بإيتاء المال إذ ليس في الكلام ما يدفع كون المراد هو المعنى الحقيقي غير الملائم لما ندب إليه الإسلام من الحب في الله.
وقيل: معنى القربى هو التقرب إلى الله ، والمودة في القربى هي التودد إليه تعالى بالطاعة والتقرب فالمعنى: لا أسألكم عليه أجرا إلا أن توددوا إليه تعالى بالتقرب إليه.
وفيه أن في قوله:"إلا المودة في القربى"على هذا المعنى إبهاما لا يصلح به أن يخاطب به المشركون فإن حاق مدلوله التودد إليه - أو وده تعالى - بالتقرب إليه والمشركون لا ينكرون ذلك بل يرون ما هم عليه من عبادة الآلهة توددا إليه بالتقرب منه فهم القائلون على ما يحكيه القرآن عنهم:"ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى": الزمر: 3 ،"هؤلاء شفعاؤنا عند الله": يونس: 18.
فسؤال التودد إلى الله بالتقرب إليه من غير تقييده بكونه بعبادته وحده ، وجعل ذلك أجرا مطلوبا ممن يرى شركة نوع تودد إلى الله بالتقرب إليه ، وخطابهم بذلك على ما فيه من الإبهام - والمقام مقام تمحيضه (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه في دعوتهم إلى دين التوحيد لا يسألهم لنفسه شيئا قط - مما لا يرتضيه الذوق السليم.
على أن المستعمل في الآية هو المودة دون التودد فالمراد بالمودة حبهم لله في التقرب إليه ولم يرد في كلامه تعالى إطلاق المودة على حب العباد لله سبحانه وإن ورد العكس كما في قوله:"إن ربي رحيم ودود": هود: 90 ، وقوله:"و هو الغفور الودود": البروج: 14 ، ولعل ذلك لما في لفظ المودة من الإشعار بمراعاة حال المودود وتعاهده وتفقده ، حتى قال بعضهم - على ما حكاه الراغب - أن مودة الله لعباده مراعاته لهم.
والإشكال السابق على حاله ولو فسرت المودة في القربى بموادة الناس بعضهم بعضا ومحابتهم في التقرب إلى الله بأن تكون القربات أسبابا للمودة والحب فيما بينهم فإن للمشركين ما يماثل ذلك فيما بينهم على ما يعتقدون.
وقيل: المراد بالمودة في القربى ، مودة قرابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم عترته من أهل بيته (عليهم السلام) وقد وردت به روايات من طرق أهل السنة وتكاثرت الأخبار من طرق الشيعة على تفسير الآية بمودتهم وموالاتهم ، ويؤيده الأخبار المتواترة من طرق الفريقين على وجوب موالاة أهل البيت (عليهم السلام) ومحبتهم.