فهرس الكتاب

الصفحة 3682 من 4314

ثم التأمل الكافي في الروايات المتواترة الواردة من طرق الفريقين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المتضمنة لإرجاع الناس في فهم كتاب الله بما فيه من أصول معارف الدين وفروعها وبيان حقائقه إلى أهل البيت (عليهم السلام) كحديث الثقلين وحديث السفينة وغيرهما لا يدع ريبا في أن إيجاب مودتهم وجعلها أجرا للرسالة إنما كان ذريعة إلى إرجاع الناس إليهم فيما كان لهم من المرجعية العلمية.

فالمودة المفروضة على كونها أجرا للرسالة لم تكن أمرا وراء الدعوة الدينية من حيث بقائها ودوامها ، فالآية في مؤداها لا تغاير مؤدى سائر الآيات النافية لسؤال الأجر.

ويئول معناها إلى أني لا أسألكم عليه أجرا إلا أن الله لما أوجب عليكم مودة عامة المؤمنين ومن جملتهم قرابتي فإني أحتسب مودتكم لقرابتي وأعدها أجرا لرسالتي ، قال تعالى:"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا": مريم: 96 وقال:"و المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض": التوبة: 71.

وبذلك يظهر فساد ما أورد على هذا الوجه أنه لا يناسب شأن النبوة لما فيه من التهمة فإن أكثر طلبة الدنيا يفعلون شيئا ويسألون عليه ما يكون فيه نفع لأولادهم وقراباتهم.

وأيضا فيه منافاة لقوله تعالى:"و ما تسألهم عليه من أجر": يوسف: 104.

وجه الفساد أن إطلاق الأجر عليها وتسميتها به إنما هو بحسب الدعوى وأما بحسب الحقيقة فلا يزيد مدلول الآية على ما يدل عليه الآيات الآخر النافية لسؤال الأجر كما عرفت وما في ذلك من النفع عائد إليهم فلا مورد للتهمة.

على أن الآية على هذا مدنية خوطب بها المسلمون وليس لهم أن يتهموا نبيهم المصون بعصمة إلهية - بعد الإيمان به وتصديق عصمته - فيما يأتيهم به من ربهم ولو جاز اتهامهم له في ذلك وكان ذلك غير مناسب لشأن النبوة لا يصلح لأن يخاطب به ، لاطرد مثل ذلك في خطابات كثيرة قرآنية كالآيات الدالة على فرض طاعته المطلقة والدالة على كون الأنفال والغنائم لله ولرسوله ، والدالة على خمس ذوي القربى ، وما أبيح له في أمر النساء وغير ذلك.

على أنه تعالى تعرض لهذه التهمة ودفعها في قوله الآتي:"أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك"الآية على ما سيأتي.

وهب أنا صرفنا الآية عن هذا المعنى بحملها على غيره دفعا لما ذكر من التهمة فما هو الدافع لها عن الأخبار التي لا تحصى كثرة الواردة من طرق الفريقين في إيجاب مودة أهل البيت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟.

وأما منافاة هذا الوجه لقوله تعالى:"و ما تسألهم عليه من أجر"فقد اتضح بطلانه مما ذكرناه ، والآية بقياس مدلولها إلى الآيات النافية لسؤال الأجر نظيره قوله تعالى:"قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا": الفرقان: 57.

قال في الكشاف بعد اختياره هذا الوجه: فإن قلت: هلا قيل: إلا مودة القربى أو إلا المودة للقربى ، وما معنى قوله: إلا المودة في القربى؟ قلت: جعلوا مكانا للمودة ومقرا لها كقولك: لي في آل فلان مودة ، ولي فيهم هوى وحب شديد ، تريد أحبهم وهم مكان حبي ومحله.

قال: وليست في بصلة للمودة كاللام إذا قلت: إلا المودة للقربى.

إنما هي متعلقه بمحذوف تعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس ، وتقديره: إلا المودة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها.

انتهى.

قوله تعالى:"و من يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور"الاقتراف الاكتساب ، والحسنة الفعلة التي يرتضيها الله سبحانه ويثيب عليها ، وحسن العمل ملاءمته لسعادة الإنسان والغاية التي يقصدها كما أن مساءته وقبحه خلاف ذلك ، وزيادة حسنها إتمام ما نقص من جهاتها وإكماله ومن ذلك الزيادة في ثوابها كما قال تعالى:"و لنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون": العنكبوت: 7 ، وقال:"ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله": النور: 38.

والمعنى: ومن يكتسب حسنة نزد له في تلك الحسنة حسنا - برفع نقائصها وزيادة أجرها - إن الله غفور يمحو السيئات شكور يظهر محاسن العمل من عامله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت