فهرس الكتاب

الصفحة 3687 من 4314

ثم يذكر أن من الرزق ما آتاهموه في الدنيا وهو متاعها الفاني بفنائها ومنه ما يخص المؤمنين في الآخرة وهو خير وأبقى ، وينتقل الكلام من هنا إلى صفات المؤمنين وحسن عاقبتهم وإلى وصف ما يلقاه الظالمون وهم غيرهم في عقباهم من أهوال القيامة وعذاب الآخرة.

ووراء ذلك في خلال الآيات من إجمال بعض الأحكام والإنذار والتخويف والدعوة إلى الحق وحقائق المعارف شيء كثير.

قوله تعالى:"و لو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء أنه بعباده خبير بصير"القدر مقابل البسط معناه التضييق ومنه قوله السابق:"يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر"والقدر بفتح الدال وسكونها كمية الشيء وهندسته ومنه قوله:"و لكن ينزل بقدر ما يشاء"أو جعل الشيء على كمية معينة ومنه قوله:"فقدرنا فنعم القادرون": المرسلات: 23.

والبغي الظلم ، وقوله:"بعباده"من وضع الظاهر موضع الضمير ، والنكتة فيه الإشارة إلى بيان كونه خبيرا بصيرا بهم وذلك أنهم عباده المخلوقون له القائمون به فلا يكونون محجوبين عنه مجهولين له ، وكذا قوله السابق:"لعباده"لا يخلو من إشارة إلى بيان إيتاء الرزق وذلك أنهم عباده ورزق العبد على مولاه.

ومعنى الآية: ولو وسع الله الرزق على عباده فأشبع الجميع بإيتائه لظلموا في الأرض - لما أن من طبع سعة المال الأشر والبطر والاستكبار والطغيان كما قال تعالى:"إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى": العلق: 7 - ولكن ينزل ما يشاء من الرزق بقدر وكمية معينة أنه بعباده خبير بصير فيعلم ما يستحقه كل عبد وما يصلحه من غنى أو فقر فيؤتيه ذلك.

ففي قوله:"و لكن ينزل بقدر ما يشاء"بيان للسنة الإلهية في إيتاء الرزق بالنظر إلى صلاح حال الناس أي إن لصلاح حالهم أثرا في تقدير أرزاقهم ، ولا ينافي ذلك ما نشاهد من طغيان بعض المثرين ونماء رزقهم على ذلك فإن هناك سنة أخرى حاكمة على هذه السنة وهي سنة الابتلاء والامتحان ، قال تعالى:"إنما أموالكم وأولادكم فتنة": التغابن: 15 ، وسنة أخرى هي سنة المكر والاستدراج ، قال تعالى:"سنستدرجهم من حيث لا يشعرون وأملي لهم إن كيدي متين": الأعراف: 183.

فسنة الإصلاح بتقدير الرزق سنة ابتدائية يصلح بها حال الإنسان إلا أن يمتحنه الله كما قال:"و ليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم": آل عمران: 154 أو يغير النعمة ويكفر بها فيغير الله في حقه سنته فيعطيه ما يطغيه ، قال تعالى:"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم": الرعد: 11.

وكما أن إيتاء المال والبنين وسائر النعم الصورية من الرزق المقسوم كذلك المعارف الحقة والشرائع السماوية المنتهية إلى الوحي من حيث إنزالها ومن حيث الابتلاء بها والتلبس بالعمل بها من الرزق المقسوم.

فلو نزلت المعارف والأحكام عن آخرها دفعة واحدة - على ما لها من الإحاطة والشمول لجميع شئون الحياة الإنسانية - لشقت على الناس ولم يؤمن بها إلا الأوحدي منهم لكن الله سبحانه أنزلها على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) تدريجا وعلى مكث وهيأ بذلك الناس بقبول بعضها لقبول بعض ، قال تعالى:"و قرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث": إسراء: 106.

وكذا المعارف العالية التي هي في بطون المعارف الساذجة الدينية لو لم يضرب عليها بالحجاب وبينت لعامة الناس على حد الظواهر المبينة لهم لم يتحملوها ودفعته أفهامهم إلا الأوحدي منهم لكن الله سبحانه كلمهم في ذلك نوع تكليم يستفيد منه كل على قدر فهمه وسعة صدره كما قال في مثل ضربه في ذلك:"أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها": الرعد: 17.

وكذلك الأحكام والتكاليف الشرعية لو كلف بجميعها جميع الناس لتحرجوا منها ولم يتحملوها لكنه سبحانه قسمها بينهم حسب تقسيم الابتلاءات المقتضية لتوجه التكاليف المتنوعة بينهم.

فالرزق بالمعارف والشرائع من أي جهة فرض كالرزق الصوري مفروز بين الناس مقدر على حسب صلاح حالهم.

قوله تعالى:"و هو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد"القنوط اليأس ، والغيث المطر ، قال في مجمع البيان: الغيث ما كان نافعا في وقته ، والمطر قد يكون نافعا وقد يكون ضارا في وقته وغير وقته.

انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت