فهرس الكتاب

الصفحة 3688 من 4314

و نشر الرحمة تفريق النعمة بين الناس بإنبات النبات وإخراج الثمار التي يكون سببها المطر.

وفي الآية انتقال من حديث الرزق إلى آيات التوحيد التي لها تعلق ما بالأرزاق ، ويتلوها في هذا المعنى آيات ، وتذييل الآية بالاسمين: الولي الحميد وهما من أسمائه تعالى الحسنى للثناء عليه في فعله الجميل.

قوله تعالى:"و من آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة"إلخ ، البث التفريق ، ويقال: بث الريح التراب إذا أثاره ، والدابة كل ما يدب على الأرض فيعم الحيوانات جميعا ، والمعنى ظاهر.

وظاهر الآية أن في السماوات خلقا من الدواب كالأرض ، وقول بعضهم: إن ما في السموات من دابة هي الملائكة يدفعه أن إطلاق الدواب على الملائكة غير معهود.

وقوله:"و هو على جمعهم إذا يشاء قدير"إشارة إلى حشر ما بث فيهما من دابة وقد عبر بالجمع لمقابلته البث الذي هو التفريق ، ولا دلالة في قوله:"على جمعهم"حيث أتى بضمير أولي العقل على كون ما في السماوات من الدواب أولي عقل كالإنسان لقوله تعالى:"و ما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون": الأنعام: 38.

والقدير من أسمائه تعالى الحسنى وهو الذي أركزت فيه القدرة وثبتت ، قال الراغب: القدرة إذا وصف بها الإنسان فاسم لهيئة له بها يتمكن من فعل شيء ما ، وإذا وصف الله بها فهي نفي العجز عنه ، ومحال أن يوصف غير الله بالقدرة المطلقة معنى وإن أطلق عليه لفظا بل حقه أن يقال: قادر على كذا ، ومتى قيل: هو قادر فعلى سبيل معنى التقييد ، ولهذا لا أحد غير الله يوصف بالقدرة من وجه إلا ويصح أن يوصف بالعجز من وجه والله تعالى هو الذي ينتفي عنه العجز من كل وجه.

والقدير هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضي الحكمة لا زائدا عليه ولا ناقصا عنه ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله تعالى قال:"إنه على ما يشاء قدير"، والمقتدر يقاربه نحو"عند مليك مقتدر"لكن قد يوصف به البشر ، وإذا استعمل في الله فمعناه معنى القدير وإذا استعمل في البشر فمعناه المتكلف والمكتسب للقدرة ، انتهى.

وهو حسن غير أن في قوله: إن القدرة إذا وصف بها الله فهي نفي العجز عنه مساهلة ظاهرة فإن صفاته تعالى الذاتية كالحياة والعلم والقدرة لها معان إيجابية هي عين الذات لا معان سلبية حتى تكون الحياة بمعنى انتفاء الموت والعلم بمعنى انتفاء الجهل والقدرة بمعنى انتفاء العجز على ما يقوله الصابئون ولازمه خلو الذات عن صفات الكمال.

فالحق أن معنى قدرته تعالى كونه بحيث يفعل ما يشاء ، ولازم هذا المعنى الإيجابي انتفاء مطلق العجز عنه تعالى.

قوله تعالى:"و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير"المصيبة النائبة تصيب الإنسان كأنها تقصده ، والمراد بما كسبت أيديكم المعاصي والسيئات ، وقوله:"و يعفوا عن كثير"أي عن كثير مما كسبت أيديكم وهي السيئات.

والخطاب في الآية اجتماعي موجه إلى المجتمع غير منحل إلى خطابات جزئية ولازمه كون المراد بالمصيبة التي تصيبهم المصائب العامة الشاملة كالقحط والغلاء والوباء والزلازل وغير ذلك.

فيكون المراد أن المصائب والنوائب التي تصيب مجتمعكم ويصابون بها إنما تصيبكم بسبب معاصيكم والله يصفح عن كثير منها فلا يأخذ بها.

فالآية في معنى قوله تعالى:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون": الروم: 41 ، وقوله:"و لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا": الأعراف: 96 ، وقوله:"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم": الرعد: 11 ، وغير ذلك من الآيات الدالة على أن بين أعمال الإنسان وبين النظام الكوني ارتباطا خاصا فلو جرى المجتمع الإنساني على ما يقتضيه الفطرة من الاعتقاد والعمل لنزلت عليه الخيرات وفتحت عليه البركات ولو أفسدوا أفسد عليهم.

هذا ما تقتضيه هذه السنة الإلهية إلا أن ترد عليه سنة الابتلاء أو سنة الاستدراج والإملاء فينقلب الأمر ، قال تعالى:"ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا السراء والضراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون": الأعراف: 95.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت