فهرس الكتاب

الصفحة 3689 من 4314

و يمكن أن يكون الخطاب في الآية عاما منحلا إلى خطابات الأفراد فيكون ما يصاب كل إنسان بمصيبة في نفسه أو ماله أو ولده أو عرضه وما يتعلق به مستندا إلى معصية أتى بها وسيئة عملها ويعفو الله عن كثير منها.

وكيف كان فالخطاب في الآية لعامة الناس من المؤمن والكافر وهو الذي يفيده السياق وتؤيده الآية التالية هذا أولا ، والمراد بما كسبته الأيدي المعاصي والسيئات دون مطلق الأعمال ، وهذا ثانيا ، والمصائب التي تصيب إنما هي آثار الأعمال في الدنيا لما بين الأعمال وبينها من الارتباط والتداعي دون جزاء الأعمال وهذا ثالثا.

وبما ذكر يندفع أولا ما استشكل على عموم الآية بالمصائب النازلة على الأنبياء (عليهم السلام) وهم معصومون لا معصية لهم ، المصائب النازلة على الأطفال والمجانين وهم غير مكلفين بتكليف فلا معصية لهم فيجب تخصيص الآية بمصائب الأنبياء ومصائب الأطفال والمجانين.

وجه الاندفاع أن إثبات المعصية لهم في قوله:"فبما كسبت أيديكم"دليل على أن الخطاب في الآية لمن يجوز عليه صدور المعصية فلا يشمل المعصومين وغير المكلفين من رأس فعدم شمول الآية لهم من باب التخصص دون التخصيص.

وثانيا ما قيل: إن مقتضى الآية مغفرة ذنوب المؤمنين جميعا فإنها بين ما يجزون عليها بإصابة المصائب وما يعفى عنها.

وجه الاندفاع أن الآية مسوقة لبيان ارتباط المصائب بالمعاصي وكون المعاصي ذوات آثار دنيوية سيئة منها ما يصيب الإنسان ولا يخطىء ومنها ما يعفى عنه فلا يصيب لأسباب صارفة وحكم مانعة كصلة الرحم والصدقة ودعاء المؤمن والتوبة وغير ذلك مما وردت به الأخبار ، وأما جزاء الأعمال فالآية غير ناظرة إليه كما تقدم.

على أن الخطاب في الآية يعم المؤمن والكافر كما تقدمت الإشارة إليه ، ولا معنى لتبعضها في الدلالة فتدل على المغفرة في المؤمن وعدمها في الكافر.

وبعد هذا كله فالوجه الأول هو الأوجه.

قوله تعالى:"و ما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير"، معنى الآية ظاهر وهي باتصالها بما قبلها تفيد أنكم لا تعجزون الله حتى لا تصيبكم المصائب لذنوبكم وليس لكم من دونه من ولي يتولى أمركم فيدفع عنكم المصائب ولا نصير ينصركم ويعينكم على دفعها.

قوله تعالى:"و من آياته الجوار في البحر كالأعلام"، الجواري جمع جارية وهي السفينة ، والأعلام جمع علم وهو العلامة ويسمى به الجبل وشبهت السفائن بالجبال لعظمها وارتفاعها والباقي ظاهر.

قوله تعالى:"إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره"إلخ ، ضمير"يشأ"لله تعالى ، وظل بمعنى صار ، و"رواكد"جمع راكدة وهي الثابتة في محلها والمعنى: إن يشأ الله يسكن الريح التي تجري بها الجواري فيصرن أي الجواري ثوابت على ظهر البحر.

وقوله:"إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور"أصل الصبر الحبس وأصل الشكر إظهار نعمة المنعم بقول أو فعل ، والمعنى: أن فيما ذكر من أمر الجواري من كونها جارية على ظهر البحر بسبب جريان الرياح ناقلة للناس وأمتعتهم من ساحل إلى ساحل لآيات لكل من حبس نفسه عن الاشتغال بما لا يعنيه واشتغل بالتفكر في نعمه والتفكر في النعمة من الشكر.

وقيل: المراد بكل صبار شكور المؤمن لأن المؤمن لا يخلو من أن يكون في الضراء أو في السراء فإن كان في الضراء كان من الصابرين وإن كان في السراء كان من الشاكرين.

قوله تعالى:"أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير"الإيباق الإهلاك ، وضمير التأنيث للجواري وضمير التذكير للناس ، ويوبقهن ويعف معطوفان على"يسكن"، والمعنى: إن يشأ يهلك الجواري بإغراقها بسبب ما كسبوا من السيئات ويعف عن كثير منها أي إن بعضها كاف في اقتضاء الإهلاك وإن عفا عن كثير منها.

وقيل: المراد بإهلاكها إهلاك أهلها إما مجازا أو بتقدير مضاف ، و"يوبقهن"بالعطف على"يسكن"في معنى يرسل الرياح العاصفة فيوبقهم ، والمعنى: إن يشأ يسكن الريح إلخ ، وإن يشأ يرسلها فيهلكهم بالإغراق وينج كثير منهم بالعفو ، والمحصل: إن يشأ يسكن الريح أو يرسلها فيهلك ناسا بذنوبهم وينج ناسا بالعفو عنهم ولا يخفى وجه التكلف فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت