فهرس الكتاب

الصفحة 3691 من 4314

و قوله:"و مما رزقناهم ينفقون"إشارة إلى بذل المال لمرضاة الله.

قوله تعالى:"و الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون"قال الراغب: الانتصار والاستنصار طلب النصرة.

انتهى.

فالمعنى: الذين إذا أصاب الظلم بعضهم طلب النصرة من الآخرين وإذا كانوا متفقين على الحق كنفس واحدة فكان الظلم أصاب جميعهم فطلبوا المقاومة قباله وأعدوا عليه النصرة.

وعن بعضهم أن الانتصار بمعنى التناصر نظير اختصم وتخاصم واستبق وتسابق والمعنى عليه ظاهر.

وكيف كان فالمراد مقاومتهم لرفع الظلم فلا ينافي المغفرة عند الغضب المذكورة في جملة صفاتهم فإن المقاومة دون الظلم وسد بابه عن المجتمع لمن استطاعه والانتصار والتناصر لأجله من الواجبات الفطرية ، قال تعالى:"و إن استنصروكم في الدين فعليكم النصر": الأنفال: 72 ، وقال:"فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله": الحجرات: 9.

قوله تعالى:"و جزاء سيئة سيئة مثلها"إلى آخر الآية بيان لما جعل للمنتصر في انتصاره وهو أن يقابل الباغي بما يماثل فعله وليس بظلم وبغي.

قيل: وسمي الثانية وهي ما يأتي بها المنتصر سيئة لأنها في مقابلة الأولى كما قال تعالى:"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم": البقرة: 194 ، وقال الزمخشري: كلتا الفعلتين: الأولى وجزاؤها سيئة لأنها تسوء من تنزل به ففيه رعاية لحقيقة معنى اللفظ وإشارة إلى أن مجازاة السيئة بمثلها إنما تحمد بشرط المماثلة من غير زيادة.

وقوله:"فمن عفا وأصلح فأجره على الله"وعد جميل على العفو والإصلاح ، والظاهر أن المراد بالإصلاح إصلاحه أمره فيما بينه وبين ربه ، وقيل: المراد إصلاحه ما بينه وبين ظالمه بالعفو والإغضاء.

وقوله:"إنه لا يحب الظالمين"قيل: فيه بيان أنه تعالى لم يرغب المظلوم في العفو عن الظالم لميله إلى الظالم أو لحبه إياه ولكن ليعرض المظلوم بذلك لجزيل الثواب ، ولحبه تعالى الإحسان والفضل.

وقيل: المراد أنه لا يحب الظالم في قصاص وغيره بتعديه عما هو له إلى ما ليس هو له.

والوجهان وإن كانا حسنين في نفسهما لكن سياق الآية لا يساعد عليهما وخاصة مع حيلولة قوله:"فمن عفا وأصلح فأجره على الله"بين التعليل والمعلل.

ويمكن أيضا أن يكون قوله:"إنه لا يحب الظالمين"تعليلا لأصل كون جزاء السيئة سيئة من غير نظر إلى المماثلة والمساواة.

قوله تعالى:"و لمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل - إلى قوله - من عزم الأمور"ضمير"ظلمه"راجع إلى المظلوم.

والإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله.

الآيات الثلاث تبيين ورفع لبس من قوله في الآية السابقة:"فمن عفا وأصلح فأجره على الله"فمن الجائز أن يتوهم المظلوم أن في ذلك إلغاء لحق انتصاره فبين سبحانه بقوله أولا:"و لمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل"أن لا سبيل على المظلومين ولا مجوز لإبطال حقهم في الشرع الإلهي ، وإرجاع ضمير الإفراد إلى الموصول أولا باعتبار لفظه ، وضمير الجمع ثانيا باعتبار معناه.

وبين بقوله ثانيا:"إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق"إن السبيل كله على الظالمين في الانتقام منهم للمظلومين ، وأكد ذلك ذيلا بقوله:"أولئك لهم عذاب أليم".

وبين بقوله ثالثا:"و لمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور"إن الدعوة إلى الصبر والعفو ليست إبطالا لحق الانتصار وإنما هي إرشاد إلى فضيلة هي من أعظم الفضائل فإن في المغفرة الصبر الذي هو من عزم الأمور ، وقد أكد الكلام بلام القسم أولا وباللام في خبر إن ثانيا لإفادة العناية بمضمونه.

قوله تعالى:"و من يضلل الله فما له من ولي من بعده"إلخ ، لما ذكر المؤمنين بأوصافهم وأن لهم عند الله رزقهم المدخر لهم وفيه سعادة عقباهم التي هداهم الله إليها التفت إلى غيرهم وهم الظالمون الآيسون من تلك الهداية الموصلة إلى السعادة المحرومون من هذا الرزق الكريم فبين أن الله سبحانه أضلهم لكفرهم وتكذيبهم فلا ينتهون إلى ما عنده من الرزق ولا يسعدهم به وليس لهم من دونه من ولي حتى يتولى أمرهم ويرزقهم ما حرمهم الله من الرزق ، فهم صفر الأكف يتمنون عند مشاهدة العذاب الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحا فيكونوا أمثال المؤمنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت