فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 4314

و أما ثالثا: فهب أن الآية في نفسها قاصرة الدلالة على الحرمة لكنها صريحة الدلالة على الإثم وهي مدنية قد سبقتها في النزول آية الأعراف المحرمة للإثم صريحا فما عذر من سمع التحريم في آية مكية حتى يجتهد في آية مدنية!.

على أن آية الأعراف تدل على تحريم مطلق الإثم وهذه الآية قيدت الإثم بالكبر ولا يبقى مع ذلك ريب لذي ريب في أن الخمر فرد تام ومصداق كامل للإثم لا ينبغي الشك في كونه من الإثم المحرم ، وقد وصف القرآن القتل وكتمان الشهادة والافتراء وغير ذلك بالإثم ولم يصف الإثم في شيء من ذلك بالكبر إلا في الخمر وفي الشرك حيث وصفه بالعظم في قوله تعالى:"و من يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما:"النساء - 48 ، وبالجملة لا شك في دلالة الآية على التحريم.

ثم نزلت آيتا المائدة:"يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة فهل أنتم منتهون:"المائدة - 91 ، وذيل الكلام يدل على أن المسلمين لم يكونوا منتهين بعد نزول آية البقرة عن شرب الخمر ولم ينتزعوا عنه بالكلية حتى نزلت الآية فقيل: فهل أنتم منتهون ، هذا كله في الخمر.

وأما الميسر: فمفاسده الاجتماعية وهدمه لبنيان الحياة أمر مشهود معاين ، والعيان يغني عن البيان ، وسنتعرض لشأنه في سورة المائدة إن شاء الله.

ولنرجع إلى ما كنا فيه من البحث في مفردات الآية فقوله تعالى: قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ، قد مر الكلام في معنى الإثم ، وأما الكبر فهو في الأحجام بمنزلة الكثرة في الأعداد ، والكبر يقابل الصغر كما أن الكثرة تقابل القلة ، فهما وصفان إضافيان بمعنى أن الجسم أو الحجم يكون كبيرا بالنسبة إلى آخر أصغر منه وهو بعينه صغير بالنسبة إلى آخر أكبر منه ، ولو لا المقايسة والإضافة لم يكن كبر ولا صغر كما لا يكون كثرة ولا قلة ، ويشبه أن يكون أول ما تنبه الناس لمعنى الكبر إنما تنبهوا له في الأحجام التي هي من الكميات المتصلة وهي جسمانية ، ثم انتقلوا من الصور إلى المعاني فاستطردوا معنى الكبر والصغر فيها ، قال تعالى:"إنها لإحدى الكبر:"المدثر - 35 ، وقال تعالى:"كبرت كلمة تخرج من أفواههم:"الكهف - 5 ، وقال تعالى:"كبر على المشركين ما تدعوهم إليه:"الشورى - 13 ، والعظم في معناه كالكبر ، غير أن الظاهر أن العظمة مأخوذة من العظم الذي هو أحد أجزاء البدن من الحيوان فإن كبر جسم الحيوان كان راجعا إلى كبر العظام المركبة المؤلفة في داخله فاستعير العظم للكبر ثم تأصل فاشتق منه كالمواد الأصلية.

والنفع خلاف الضرر ويطلقان على الأمور المطلوبة لغيرها أو المكروهة لغيرها كما أن الخير والشر يطلقان على الأمور المطلوبة لذاتها أو المكروهة لذاتها ، والمراد بالمنافع فيهما ما يقصده الناس بهما من الاستفادات المالية بالبيع والشرى والعمل والتفكه والتلهي ، ولما قوبل ثانيا بين الإثم والمنافع بالكبر أوجب ذلك إفراد المنافع وإلغاء جهة الكثرة فيها فإن العدد لا تأثير له في الكبر فقيل: وإثمهما أكبر من نفعهما ولم يقل من منافعهما.

قوله تعالى: ويسئلونك ما ذا ينفقون قل العفو ، العفو على ما ذكره الراغب قصد الشيء لتناوله ثم أوجب لحوق العنايات المختلفة الكلامية به مجيئه لمعاني مختلفة كالعفو بمعنى المغفرة والعفو بمعنى إمحاء الأثر والعفو بمعنى التوسط في الإنفاق ، وهذا هو المقصود في المقام ، والله العالم.

والكلام في مطابقة الجواب للسؤال في هذه الآية نظير ما مر في قوله تعالى: يسئلونك ما ذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين الآية.

قوله تعالى: يبين الله لكم إلى قوله: في الدنيا والآخرة ، الظرف أعني قوله تعالى: في الدنيا والآخرة ، متعلق بقوله: تتفكرون وليس بظرف له ، والمعنى لعلكم تتفكرون في أمر الدارين وما يرتبط بكم من حقيقتهما ، وأن الدنيا دار خلقها الله لكم لتحيوا فيها وتكسبوا ما ينفعكم في مقركم وهو الدار الآخرة التي ترجعون فيه إلى ربكم فيجازيكم بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت