و في الآية أولا: حث على البحث عن حقائق الوجود ومعارف المبدإ والمعاد وأسرار الطبيعة ، والتفكر في طبيعة الاجتماع ونواميس الأخلاق وقوانين الحياة الفردية والاجتماعية ، وبالجملة جميع العلوم الباحثة عن المبدإ والمعاد وما بينهما المرتبطة بسعادة الإنسان وشقاوته.
وثانيا: أن القرآن وإن كان يدعو إلى الإطاعة المطلقة لله ورسوله من غير أي شرط وقيد ، غير أنه لا يرضى أن يؤخذ الأحكام والمعارف التي يعطيها على العمى والجمود المحض من غير تفكر وتعقل يكشف عن حقيقة الأمر ، وتنور يستضاء به الطريق في هذا السير والسري.
وكان المراد بالتبيين هو الكشف عن علل الأحكام والقوانين ، وإيضاح أصول المعارف والعلوم.
قوله تعالى: ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ، في الآية إشعار بل دلالة على نوع من التخفيف والتسهيل حيث أجازت المخالطة لليتامى ، ثم قيل ولو شاء الله لأعنتكم ، وهذا يكشف عن تشديد سابق من الله تعالى في أمر اليتامى يوجب التشويش والاضطراب في قلوب المسلمين حتى دعاهم على السؤال عن أمر اليتامى ، والأمر على ذلك ، فإن هاهنا آيات شديدة اللحن في أمر اليتامى كقوله"تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا:"النساء - 10 ، وقوله تعالى:"و آتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا:"النساء - 2 ، فالظاهر أن الآية نازلة بعد آيات سورة النساء ، وبذلك يتأيد ما سننقله من سبب نزول الآية في البحث الروائي ، وفي قوله تعالى: قل إصلاح لهم خير ، حيث نكر الإصلاح ، دلالة على أن المرضي عند الله سبحانه نوع من الإصلاح لا كل إصلاح ولو كان إصلاحا في ظاهر الأمر فقط ، فالتنكير في قوله تعالى: إصلاح لإفادة التنويع فالمراد به الإصلاح بحسب الحقيقة لا بحسب الصورة ، ويشعر به قوله تعالى - ذيلا -: والله يعلم المفسد من المصلح.
قوله تعالى: وإن تخالطوهم فإخوانكم ، إشارة إلى المساواة المجعولة بين المؤمنين جميعا بإلغاء جميع الصفات المميزة التي هي المصادر لبروز أنواع الفساد بين الناس في اجتماعهم من الاستعباد والاستضعاف والاستذلال والاستكبار وأنواع البغي والظلم ، وبذلك يحصل التوازن بين أثقال الاجتماع ، والمعادلة بين اليتيم الضعيف والولي القوي ، وبين الغني المثري والفقير المعدم ، وكذا كل ناقص وتام ، وقد قال تعالى:"إنما المؤمنون إخوة:"الحجرات - 10.
فالذي تجوزه الآية في مخالطة الولي لليتيم أن يكون كالمخالطة بين الأخوين المتساويين في الحقوق الاجتماعية بين الناس يكون المأخوذ من ماله كالمعطى له ، فالآية تحاذي قوله تعالى:"و آتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا:"النساء - 2 ، وهذه المحاذاة من الشواهد على أن في الآية نوعا من التخفيف والتسهيل كما يدل عليه أيضا ذيلها ، وكما يدل عليه أيضا بعض الدلالة قوله تعالى: والله يعلم المفسد من المصلح ، فالمعنى: أن المخالطة إن كانت وهذا هو التخفيف فلتكن كمخالطة الأخوين ، على التساوي في الحقوق ، ولا ينبغي عند ذلك الخوف والخشية فإن ذلك لو كان بغرض الإصلاح حقيقة لا صورة كان من الخير ، ولا يخفى حقيقة الأمر على الله سبحانه حتى يؤاخذكم بمجرد المخالطة فإن الله سبحانه يميز المفسد من المصلح.
قوله تعالى: والله يعلم المفسد من المصلح إلى آخر الآية ، تعدية يعلم بمن كأنها لمكان تضمينه معنى يميز ، والعنت هو الكلفة والمشقة.