فهرس الكتاب

الصفحة 3702 من 4314

و هذان النعتان أعني كونه عليا حكيما هما الموجبان لكونه وراء العقول البشرية فإن العقل في فكرته لا ينال إلا ما كان من قبيل المفاهيم والألفاظ أولا وكان مؤلفا من مقدمات تصديقية يترتب بعضها على بعض كما في الآيات والجمل القرآنية ، وأما إذا كان الأمر وراء المفاهيم والألفاظ وكان غير متجز إلى أجزاء وفصول فلا طريق للعقل إلى نيله.

فمحصل معنى الآيتين: أن الكتاب عندنا في اللوح المحفوظ ذو مقام رفيع وأحكام لا تناله العقول لذينك الوصفين وإنما أنزلناه بجعله مقروا عربيا رجاء أن يعقله الناس.

فإن قلت: ظاهر قوله:"لعلكم تعقلون"إمكان تعقل الناس هذا القرآن العربي النازل تعقلا تاما فهذا الذي نقرؤه ونعقله إما أن يكون مطابقا لما في أم الكتاب كل المطابقة أو لا يكون ، والثاني باطل قطعا كيف؟ وهو تعالى يقول:"و إنه في أم الكتاب"و"بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ": البروج: 22 ، و"إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون": الواقعة: 78 ، فتعين الأول ومع مطابقته لأم الكتاب كل المطابقة ما معنى كون القرآن العربي الذي عندنا معقولا لنا وما في أم الكتاب عند الله غير معقول لنا.

قلت: يمكن أن تكون النسبة بين ما عندنا وما في أم الكتاب نسبة المثل والممثل فالمثل هو الممثل بعينه لكن الممثل له لا يفقه إلا المثل فافهم ذلك.

وبما مر يظهر ضعف الوجوه التي أوردوها في تفسير الوصفين كقول بعضهم: إن المراد بكونه عليا أنه عال في بلاغته مبين لما يحتاج إليه الناس ، وقول بعضهم: معناه أنه يعلو كل كتاب بما اختص به من الإعجاز وهو ينسخ الكتب غيره ولا ينسخه كتاب ، وقول بعضهم يعني أنه يعظمه الملائكة والمؤمنون.

وكقول بعضهم في معنى"حكيم"إنه مظهر للحكمة البالغة ، وقول بعضهم معناه أنه لا ينطق إلا بالحكمة ولا يقول إلا الحق والصواب ، ففي توصيفه بالحكيم تجوز لغرض المبالغة.

وضعف هذه الوجوه ظاهر بالتدبر في مفاد الآية السابقة وظهور أن جعله قرآنا عربيا بالنزول عن أم الكتاب.

قوله تعالى:"أ فنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين"الاستفهام للإنكار ، والفاء للتفريع على ما تقدم ، وضرب الذكر عنهم صرفه عنهم.

قال في المجمع: ، وأصل ضربت عنه الذكر أن الراكب إذا ركب دابة فأراد أن يصرفه عن جهة ضربه بعصا أو سوط ليعدل به إلى جهة أخرى ثم وضع الضرب موضع الصرف والعدل.

انتهى.

والصفح بمعنى الإعراض فصفحا مفعول له ، واحتمل أن يكون بمعنى الجانب"و إن كنتم"محذوف الجار والتقدير لأن كنتم وهو متعلق بقوله:"أ فنضرب".

والمعنى: أ فنصرف عنكم الذكر - وهو الكتاب الذي جعلناه قرآنا لتعقلوه - للإعراض عنكم لكونكم مسرفين أو أ فنصرفه عنكم إلى جانب لكونكم مسرفين أي أنا لا نصرفه عنكم لذلك.

قوله تعالى:"و كم أرسلنا من نبي في الأولين وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزءون""كم"للتكثير ، والأولون هم الأمم الدارجة و"ما يأتيهم"إلخ ، حال والعامل فيها"أرسلنا".

والآيتان وما يتلوهما في مقام التعليل لعدم صرف الذكر عنهم ببيان أن كونكم قوما مسرفين لا يمنعنا من إجراء سنة الهداية من طريق الوحي فإنا كثيرا ما أرسلنا من نبي في الأمم الماضين والحال أنه ما يأتيهم من نبي إلا استهزءوا به وانجر الأمر إلى أن أهلكنا من أولئك من هو أشد بطشا منكم.

فكما كانت عاقبة إسرافهم واستهزائهم الهلاك دون الصرف فكذلك عاقبة إسرافكم ففي الآيات الثلاث كما ترى وعد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووعيد لقومه.

قوله تعالى:"فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين"قال الراغب ،: البطش تناول الشيء بصولة.

انتهى وفي الآية التفات في قوله:"منهم"من الخطاب إلى الغيبة ، وكان الوجه فيه العدول عن خطابهم إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعدم اعتبارهم بهذه القصص والعبر وليكون تمهيدا لقوله بعد:"و مضى مثل الأولين"ويؤيده قوله بعد:"و لئن سألتهم"خطابا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ومعنى قوله:"و مضى مثل الأولين"ومضى في السور النازلة قبل هذه السورة من القرآن وصف الأمم الأولين وأنه كيف حاق بهم ما كانوا به يستهزءون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت