فهرس الكتاب

الصفحة 3703 من 4314

قوله تعالى:"و لئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم"في الآية وما يتلوها إلى تمام ست آيات احتجاج على ربوبيته تعالى وتوحده فيها مع إشارة ما إلى المعاد وتبكيت لهم على إسرافهم مأخوذ من اعترافهم بأنه تعالى هو خالق الكل ثم الأخذ بجهات من الخلق هي بعينها تدبير لأمور العباد كجعل الأرض لهم مهدا وجعله فيها سبلا وإنزال الأمطار فينتج أنه تعالى وحده مالك مدبر لأمورهم فهو الرب لا رب غيره.

وبذلك تبين أن الآية تقدمة وتوطئة لما تتضمنه الآيات التالية من الحجة وقد تقدم في هذا الكتاب مرارا أن الوثنية لا تنكر رجوع الصنع والإيجاد إليه تعالى وحده وإنما تدعي رجوع أمر التدبير إلى غيره.

قوله تعالى:"الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون"أي جعل لكم الأرض بحيث تربون فيها كما يربى الأطفال في المهد ، وجعل لكم في الأرض سبلا وطرقا تسلكونها وتهتدون بها إلى مقاصدكم.

وقيل: معنى"لعلكم تهتدون"رجاء أن تهتدوا إلى معرفة الله وتوحيده في العبادة والأول أظهر.

وفي الكلام التفات إلى خطاب القوم بعد صرف الخطاب عنهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولعل الوجه فيه إظهار العناية بهذا المعنى في الخلقة وهو أن التدبير بعينه من الخلق فاعترافهم بكون الخلق مختصا بالله سبحانه وقولهم برجوع التدبير إلى غيره من خلقه من التهافت في القول جهلا فقرعهم بهذا الخطاب من غير واسطة.

قوله تعالى:"و الذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون"قيد تنزيل الماء بقدر للإشارة إلى أنه عن إرادة وتدبير لا كيف اتفق والإنشار الإحياء ، والميت مخفف الميت بالتشديد ، وتوصيف البلدة به باعتبار أنها مكان لأن البلدة أيضا إنما تتصف بالموت والحياة باعتبار أنها مكان ، والالتفات عن الغيبة إلى التكلم مع الغير في"أنشرنا"لإظهار العناية.

ولما استدل بتنزيل الماء بقدر وإحياء البلدة الميتة على خلقه وتدبيره استنتج منه أمر آخر لا يتم التوحيد إلا به وهو المعاد الذي هو رجوع الكل إليه تعالى فقال:"كذلك تخرجون"أي كما أحيا البلدة الميتة كذلك تبعثون من قبوركم أحياء.

قيل: في التعبير عن إخراج النبات بالإنشار الذي هو إحياء الموتى وعن إحيائهم بالإخراج تفخيم لشأن الإنبات وتهوين لأمر البعث لتقويم سنن الاستدلال وتوضيح منهاج القياس.

قوله تعالى:"و الذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون"قيل: المراد بالأزواج أصناف الموجودات من ذكر وأنثى وأبيض وأسود وغيرها ، وقيل: المراد الزوج من كل شيء فكل ما سوى الله كالفوق وتحت واليمين واليسار والذكر والأنثى زوج.

وقوله:"و جعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون"أي تركبونه ، والركوب إذا نسب إلى الحيوان كالفرس والإبل تعدى بنفسه فيقال: ركبت الفرس وإذا نسب إلى مثل الفلك والسفينة تعدى بفي فيقال ركب فيه قال تعالى:"و إذا ركبوا في الفلك"ففي قوله:"ما تركبون"أي تركبونه تغليب لجانب الأنعام.

قوله تعالى:"لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا - إلى قوله - لمنقلبون"الاستواء على الظهور الاستقرار عليها ، والضمير في"ظهوره"راجع إلى لفظ الموصول في"ما تركبون"، والضمير في قوله:"إذا استويتم عليه"للموصول أيضا فكما يقال: استويت على ظهر الدابة يقال: استويت على الدابة.

والمراد بذكر نعمة الرب سبحانه بعد الاستواء على ظهر الفلك والأنعام ذكر النعم التي ينتفع بها الإنسان بتسخيره تعالى له هذه المراكب كالانتقال من مكان إلى مكان وحمل الأثقال قال تعالى:"و سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره": إبراهيم: 32 ، وقال:"و الأنعام خلقها - إلى أن قال - وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس": النحل: 7 ، أو المراد ذكر مطلق نعمه تعالى بالانتقال من ذكر هذه النعم إليه.

وقوله:"و تقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين"أي مطيقين والإقران الإطاقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت