و قوله:"فإنه سيهدين"أي إلى الحق الذي أطلبه ، وقيل: أي إلى طريق الجنة ، وفي هذه الجملة إشارة إلى خاصة أخرى ربوبية وهي الهداية إلى السبيل الحق يجب أن يسلكه الإنسان فإن السوق إلى الكمال من تمام التدبير فعلى الرب المدبر لأمر مربوبه أن يهديه إلى كماله وسعادته ، قال تعالى:"ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 ، وقال:"و على الله قصد السبيل": النحل: 9 ، فالرجوع إلى الله بتوحيد العبادة يستتبع الهداية كما قال تعالى:"و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا": العنكبوت: 69.
والاستثناء في قوله:"إلا الذي فطرني"منقطع لأن الوثنيين لا يعبدون الله كما مر مرارا ، فقول بعضهم: إنه متصل ، وإنهم كانوا يقولون: الله ربنا مع عبادتهم الأوثان ، كما ترى.
قوله تعالى:"و جعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون"الظاهر أن ضمير الفاعل المستتر في"جعلها"لله سبحانه ، والضمير البارز - على ما قيل - لكلمة البراءة التي تكلم بها إبراهيم (عليه السلام) ومعناها معنى كلمة التوحيد فإن مفاد لا إله إلا الله نفي الآلهة غير الله لا نفي الآلهة وإثبات الإله تعالى وهو ظاهر فلا حاجة إلى ما تكلف به بعضهم أن الضمير لكلمة التوحيد المعلوم مما تكلم به إبراهيم (عليه السلام) .
والمراد بعقبه ذريته وولده ، وقوله:"لعلهم يرجعون"أي يرجعون من عبادة آلهة غير الله إلى عبادته تعالى أي يرجع بعضهم - وهم العابدون لغير الله بدعوة بعضهم وهم العابدون لله - إلى عبادته تعالى ، وبهذا يظهر أن المراد ببقاء الكلمة في عقبه عدم خلوهم عن الموحد ما داموا ، ولعل هذا عن استجابة دعائه (عليه السلام) إذ يقول:"و اجنبني وبني أن نعبد الأصنام": إبراهيم: 35.
وقيل: الضمير في"جعل"لإبراهيم (عليه السلام) فهو الجاعل هذه الكلمة باقية في عقبه رجاء أن يرجعوا إليها ، والمراد بجعلها باقية فيهم وصيته لهم بذلك كما قال تعالى:"وصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون": البقرة: 132.
وأنت خبير بأن الوصية بكلمة التوحيد لا تسمى جعلا للكلمة باقية في العقب وإن صح أن يقال: أراد بها ذلك لكنه غير جعلها باقية فيهم.
وقيل: المراد أن الله جعل الإمامة كلمة باقية في عقبه وسيجيء الكلام فيه في البحث الروائي الآتي إن شاء الله.
ويظهر من الآية أن ذرية إبراهيم (عليه السلام) لا تخلو من هذه الكلمة إلى يوم القيامة.
قوله تعالى:"بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين"إضراب عما يفهم من الآية السابقة ، والمعنى: أن رجوعهم عن الشرك إلى التوحيد كان هو الغاية المرجوة منهم لكنهم لم يرجعوا بل متعت هؤلاء من قومك وآباءهم فتمتعوا بنعمي"حتى جاءهم الحق ورسول مبين".
ولعل الالتفات إلى التكلم وحده في قوله:"بل متعت"للإشارة إلى تفخيم جرمهم وأنهم لا يقصدون في كفرانهم للنعمة وكفرهم بالحق ورمية بالسحر إلا إياه تعالى وحده.
والمراد بالحق الذي جاءهم هو القرآن ، وبالرسول المبين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قوله تعالى:"و لما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون"هذا طعنهم في الحق الذي جاءهم وهو القرآن ويستلزم الطعن في الرسول.
كما أن قولهم الآتي:"لو لا نزل"إلخ ، كذلك.
قوله تعالى:"و قالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم"المراد بالقريتين مكة والطائف ، ومرادهم بالعظمة - على ما يفيده السياق - ما هو من حيث المال والجاه اللذين هما ملاك الشرافة وعلو المنزلة عند أبناء الدنيا ، والمراد بقوله:"رجل من القريتين عظيم"رجل من إحدى القريتين حذف المضاف إيجازا.
ومرادهم أن الرسالة منزلة شريفة إلهية لا ينبغي أن يتلبس به إلا رجل شريف في نفسه عظيم مطاع في قومه ، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقير فاقد لهذه الخصلة ، فلو كان القرآن الذي جاء به وحيا نازلا من الله فلو لا نزل على رجل عظيم من مكة أو الطائف كثير المال رفيع المنزلة.
وفي المجمع ،: ويعنون بالرجل العظيم من إحدى القريتين الوليد بن المغيرة من مكة وأبا مسعود عروة بن مسعود الثقفي من الطائف.
عن قتادة ، وقيل: عتبة بن أبي ربيعة من مكة وابن عبد ياليل من الطائف.
عن مجاهد ، وقيل: الوليد بن المغيرة من مكة وحبيب بن عمر الثقفي من الطائف.