عن ابن عباس.
انتهى.
والحق أن ذلك من تطبيق المفسرين وإنما قالوا ما قالوا على الإبهام وأرادوا أحد هؤلاء من عظماء القريتين على ما هو ظاهر الآية.
قوله تعالى:"أ هم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا"إلخ ، المراد بالرحمة - على ما يعطيه السياق - النبوة.
وقال الراغب: العيش الحياة المختصة بالحيوان ، وهو أخص من الحياة لأن الحياة تقال في الحيوان وفي الباري تعالى وفي الملك ، ويشتق منه المعيشة لما يتعيش به.
انتهى.
وقال: التسخير سياقه إلى الغرض المختص قهرا - إلى أن قال: والسخري هو الذي يقهر فيتسخر بإرادته.
انتهى.
والآية والآيتان بعدها في مقام الجواب عن قولهم:"لو لا نزل هذا القرآن على رجل"إلخ ، ومحصلها أن قولهم هذا تحكم ظاهر ينبغي أن يتعجب منه فإنهم يحكمون فيما لا يملكون.
هذه معيشتهم في الحياة الدنيا يعيشون بها ويرتزقون وهي رحمة منا لا قدر لها ولا منزلة عندنا وليست إلا متاعا زائلا نحن نقسمها بينهم وهي خارجة عن مقدرتهم ومشيتهم فكيف يقسمون النبوة التي هي الرحمة الكبرى وهي مفتاح سعادة البشر الدائمة والفلاح الخالد فيعطونها لمن شاءوا ويمنعونها ممن شاءوا.
فقوله:"أ هم يقسمون رحمة ربك"الاستفهام للإنكار ، والالتفات إلى الغيبة في قوله:"رحمة ربك"ولم يقل: رحمتنا ، للدلالة على اختصاص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعناية الربوبية في النبوة.
والمعنى: أنهم لا يملكون النبوة التي هي رحمة لله خاصة به حتى يمنعوك منها ويعطوها لمن هووا.
وقوله:"نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا"بيان لوجه الإنكار في الجملة السابقة بأنهم عاجزون عن قسمة ما هو دون النبوة بمراحل ولا منزلة له وهو معيشتهم في الحياة الدنيا فنحن قسمناها بينهم فكيف يقسمون ما هو أرفع منزلة منها بما لا يقدر قدره وهو النبوة التي هي رحمة ربك الخاصة به.
والدليل على أن الأرزاق والمعايش ليست بيد الإنسان اختلاف أفراده بالغنى والفقر والعافية والصحة وفي الأولاد وسائر ما يعد من الرزق ، وكل يريد أن يقتني منها ما لا مزيد عليه ، ولا يكاد يتيسر لأحد منهم جميع ما يتمناه ويرتضيه فلو كان ذلك بيد الإنسان لم يوجد معدم فقير في شيء منها بل لم يختلف اثنان فيها فاختلافهم فيها أوضح دليل على أن الرزق مقسوم بمشية من الله دون الإنسان.
على أن الإرادة والعمل من الإنسان بعض الأسباب الناقصة لحصول المطلوب الذي هو الرزق ووراءهما أسباب كونية لا تحصى خارجة عن مقدرة الإنسان لا يحصل المطلوب إلا بحصولها جميعا واجتماعها عليه وليست إلا بيد الله الذي إليه تنتهي الأسباب.
هذا كله في المال وأما الجاه فهو أيضا مقسوم من عند الله فإنه يتوقف على صفات خاصة بها ترتفع درجات الإنسان في المجتمع فيتمكن من تسخير من هو دونه كالفطنة والدهاء والشجاعة وعلو الهمة وأحكام العزيمة وكثرة المال والعشيرة وشيء من ذلك لا يتم إلا بصنع من الله سبحانه ، وذلك قوله:"و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا".
فيتبين بمجموع القولين أعني قوله:"نحن قسمنا"إلخ ، وقوله:"و رفعنا بعضهم فوق بعض"إلخ ، إن القاسم للمعيشة والجاه بين الناس هو الله سبحانه لا غير ، وقوله:"و رحمة ربك خير مما يجمعون"أي النبوة خير من المال فكيف يملكون قسمها وهم لا يملكون قسم المال فيما بينهم.
ومن الممكن أن يكون قوله:"و رفعنا بعضهم فوق بعض"عطف تفسير على قوله:"نحن قسمنا بينهم معيشتهم"إلخ ، يبين قسم المعيشة بينهم ببيان علل انقسامها في المجتمع الإنساني ، بيان ذلك أن كثرة حوائج الإنسان في حياته الدنيا بحيث لا يقدر على رفع جميعها في عيش انفرادي أحوجته إلى الاجتماع مع غيره من الأفراد على طريق الاستخدام والاستدرار أولا وعلى طريق التعاون والتعاضد ثانيا كما مر في مباحث النبوة من الجزء الثاني من الكتاب.