فآل الأمر إلى المعاوضة العامة المفيدة لنوع من الاختصاص بأن يعطي كل مما عنده من حوائج الحياة ما يفضل من حاجته ويأخذ به من الغير ما يعادله مما يحتاج إليه فيعطي مثلا ما يفضل من حاجته من الماء الذي عنده وقد حصله واختص به ويأخذ من غيره ما يزيد على قوته من الغذاء ، ولازم ذلك أن يسعى كل فرد بما يستعد له ويحسنه من السعي فيقتني مما يحتاج إليه ما يختص به ، ولازم ذلك أن يحتاج غيره إليه فيما عنده من متاع الحياة فيتسخر له فيفيده ما يحتاج إليه كالخباز يحتاج إلى ما عند السقاء من الماء وبالعكس فيتعاونان بالمعاوضة وكالمخدوم يتسخر للخادم لخدمته والخادم يتسخر للمخدوم لماله وهكذا فكل بعض من المجتمع مسخر لآخرين بما عنده والآخرون متسخرون له بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط لما أن كلا يرتفع على غيره بما يختص به مما عنده بدرجات مختلفة باختلاف تعلق الهمم والقصود به.
وعلى ما تقدم فالمراد بالمعيشة كل ما يعاش به أعم من المال والجاه أو خصوص المال وغيره تبع له كما يؤيده قوله ذيلا:"و رحمة ربك خير مما يجمعون"فإن المراد به المال وغيره من لوازم الحياة مقصود بالتبع.
قوله تعالى:"و لو لا أن يكون الناس أمة واحدة"- إلى قوله - ومعارج عليها يظهرون"الآية وما يتلوها لبيان أن متاع الدنيا من مال وزينة لا قدر لها عند الله سبحانه ولا منزلة."
قالوا: المراد بكون الناس أمة واحدة كونهم مجتمعين على سنة واحدة هي الكفر بالله لو رأوا أن زينة الدنيا بحذافيرها عند الكافر بالله والمؤمن صفر الكف منها مطلقا ، والمعارج الدرجات والمصاعد.
والمعنى: ولو لا أن يجتمع الناس على الكفر لو رأوا تنعم الكافرين وحرمان المؤمنين لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ودرجات عليها يظهرون لغيرهم.
ويمكن أن يكون المراد بكون الناس أمة واحدة كونهم جميعا على نسبة واحدة تجاه الأسباب العاملة في حظوظ العيش من غير فرق بين المؤمن والكافر ، فمن سعى سعيه للرزق ووافقته الأسباب والعوامل الموصلة الأخرى نال منه مؤمنا كان أو كافرا ، ومن لم يجتمع له حرم ذلك وقتر عليه الرزق مؤمنا أو كافرا.
والمعنى: لو لا ما أردنا أن يتساوى الناس تجاه الأسباب الموصلة إلى زخارف الدنيا ولا يختلفوا فيها بالإيمان والكفر لجعلنا لمن يكفر ، إلخ.
قوله تعالى:"و لبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا"تنكير"أبوابا"و"سررا"للتفخيم ، والزخرف الذهب أو مطلق الزينة ، قال في المجمع ،: الزخرف كمال حسن الشيء ومنه قيل للذهب ، ويقال: زخرفه زخرفة إذا حسنه وزينه ، ومنه قيل للنقوش والتصاوير: زخرف ، وفي الحديث: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يدخل الكعبة حتى أمر بالزخرف فنحي. انتهى.
والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"و إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين""إن"للنفي و"لما"بمعنى إلا أي ليس كل ما ذكر من مزايا المعيشة إلا متاع الحياة الدنيا الزائلة الفانية التي لا تدوم.
وقوله:"و الآخرة عند ربك للمتقين"المراد بالآخرة بقرينة المقام الحياة الآخرة السعيدة كان الحياة الآخرة الشقية لا تعد حياة.
والمعنى: أن الحياة الآخرة السعيدة بحكم من الله تعالى وقضاء منه مختصة بالمتقين ، وهذا التخصيص والقصر يؤيد ما قدمناه من معنى كون الناس أمة واحدة في الدنيا بعض التأييد.
قوله تعالى:"و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين"يقال: عشي يعشى عشا من باب علم يعلم إذا كان ببصره آفة لا يبصر مطلقا أو بالليل فقط ، وعشا يعشو عشوا وعشوا من باب نصر ينصر إذا تعامى وتعشى بلا آفة ، والتقييض التقدير والإتيان بشيء إلى شيء ، يقال: قيضه له إذا جاء به إليه.
لما انتهى الكلام إلى ذكر المتقين وأن الآخرة لهم عند الله قرنه بعاقبة أمر المعرضين عن الحق المتعامين عن ذكر الرحمن مشيرا إلى أمرهم من أوله وهو أن تعاميهم عن ذكر الله يورثهم ملازمة قرناء الشياطين فيلازمونهم مضلين لهم حتى يردوا عذاب الآخرة معهم.