فهرس الكتاب

الصفحة 3712 من 4314

فقوله:"و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا"أي من تعامى عن ذكر الرحمن ونظر إليه نظر الأعشى جئنا إليه بشيطان ، وقد عبر تعالى عنه في موضع آخر بالإرسال فقال:"أ لم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا": مريم: 83 ، وإضافة الذكر إلى الرحمن للإشارة إلى أنه رحمة.

وقوله:"فهو له قرين"أي مصاحب لا يفارقه.

قوله تعالى:"و إنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون"ضمير"أنهم"للشياطين ، وضمائر الجمع الباقية للعاشين عن الذكر ، واعتبار الجمع نظرا إلى المعنى في"و من يعش"إلخ ، والصد الصرف ، والمراد بالسبيل ما يدعو إليه الذكر من سبيل الله الذي هو دين التوحيد.

والمعنى: وإن الشياطين ليصرفون العاشين عن الذكر ويحسب العاشون أنهم - أي العاشين أنفهسم - مهتدون إلى الحق.

وهذا أعني حسبانهم أنهم مهتدون عند انصدادهم عن سبيل الحق أمارة تقييض القرين ودخولهم تحت ولاية الشيطان فإن الإنسان بطبعه الأولي مفطور على الميل إلى الحق ومعرفته إذا عرض عليه ثم إذا عرض عليه فأعرض عنه اتباعا للهوى ودام عليه طبع الله على قلبه وأعمى بصره وقيض له القرين فلم ير الحق الذي تراءى له وطبق الحق الذي يميل إليه بالفطرة على الباطل الذي يدعوه إليه الشيطان فيحسب أنه مهتد وهو ضال ويخيل إليه أنه على الحق وهو على الباطل.

وهذا هو الغطاء الذي يذكر تعالى أنه مضروب عليهم في الدنيا وأنه سينكشف عنهم يوم القيامة ، قال تعالى:"الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري - إلى أن قال - قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا": الكهف: 104 ، وقال فيما يخاطبه يوم القيامة ومعه قرينه:"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"- إلى أن قال -"قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد": ق: 27.

قوله تعالى:"حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين""حتى"غاية لاستمرار الفعل الذي يدل عليه قوله في الآية السابقة:"يصدونهم"وقوله:"يحسبون"أي لا يزال القرناء يصدونهم ولا يزالون يحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا الواحد منهم.

والمراد بالمجيء إليه تعالى البعث ، وضمير"جاء"و"قال"راجع إلى الموصول باعتبار لفظه ، والمراد بالمشرقين المشرق والمغرب غلب فيه جانب المشرق.

والمعنى: وأنهم يستمرون على صدهم عن السبيل ويستمر العاشون عن الذكر على حسبان أنهم مهتدون في انصدادهم حتى إذا حضر الواحد منهم عندنا ومعه قرينه وكشف له عن ضلاله وما يستتبعه من العذاب الأليم ، قال مخاطبا لقرينه متأذيا من صحابته: يا ليت بيني وبينك بعد المشرق والمغرب فبئس القرين أنت.

ويستفاد من السياق أنهم معذبون بصحابة القرناء وراء عذابهم بالنار ، ولذا يتمنون التباعد عنهم ويخصونه بالذكر وينسون سائر العذاب.

قوله تعالى:"و لن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون"الظاهر أنه معطوف على ما قبله من وصف حالهم ، والمراد باليوم يوم القيامة ، وقوله:"أنكم في العذاب مشتركون"فاعل"لن ينفعكم"والمراد بضمير جمع المخاطب العاشون عن الذكر وقرناؤهم ، و"إذ ظلمتم"واقع موقع التعليل.

والمراد - والله أعلم - أنكم إذا أساء بعضكم إلى بعض في الدنيا فأوقعه في مصيبة ربما تسليتم بعض التسلي لو ابتلي هو نفسه بمثل ما ابتلاكم به فينفعكم ذلك تسليا وتشفيا لكن لا ينفعكم يوم القيامة اشتراك قرنائكم معكم في العذاب فإن اشتراكهم معكم في العذاب وكونهم معكم في النار هو بعينه عذاب لكم.

وذكر بعض المفسرين أن فاعل"لن ينفعكم"ضمير راجع إلى تمنيهم المذكور في الآية السابقة ، وقوله:"إذ ظلمتم"أي لأجل ظلمكم أنفسكم في الدنيا باتباعكم إياهم في الكفر والمعاصي ، وقوله:"أنكم في العذاب مشتركون"تعليل لنفي النفع والمعنى: ولن ينفعكم تمني التباعد عنكم لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب.

وفيه أن فيه تدافعا فإنه أخذ قوله:"إذ ظلمتم"تعليلا لنفي نفع التمني أولا وقوله:"أنكم في العذاب مشتركون"تعليلا له ثانيا ولازم التطابق بين التعليلين أن يذكر ثانيا القضاء على المتمنين التابعين بالعذاب لا باشتراك التابعين والمتبوعين فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت