قوله تعالى:"هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون"حكاية قول الناس عند نزول عذاب الدخان أي يقول الناس يوم تأتي السماء بدخان مبين: هذا عذاب أليم ويسألون الله كشفه بالاعتراف بربوبيته وإظهار الإيمان بالدعوة الحقة فيقولون: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
قوله تعالى:"أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين"أي من أين لهم أن يتذكروا ويذعنوا بالحق والحال أنه قد جاءهم رسول مبين ظاهر في رسالته لا يقبل الارتياب وهو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وفي الآية رد صدقهم في وعدهم.
قوله تعالى:"ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون"التولي الإعراض ، وضمير"عنه"للرسول و"معلم مجنون"خبران لمبتدإ محذوف هو ضمير راجع إلى الرسول والمعنى: ثم أعرضوا عن الرسول وقالوا هو معلم مجنون فرموه أولا بأنه معلم يعلمه غيره فيسند ما تعلمه إلى الله سبحانه ، قال تعالى:"و لقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر": النحل: 103 ، وثانيا بأنه مجنون مختل العقل.
قوله تعالى:"إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون"أي إنا كاشفون للعذاب زمانا أنكم عائدون إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب هذا بناء على القول الأول والآية تأكيد لرد صدقهم فيما وعدوه من الإيمان.
وأما على القول الثاني فالأقرب أن المعنى: أنكم عائدون إلى العذاب يوم القيامة.
قوله تعالى:"يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون"البطش - على ما ذكره الراغب - تناول الشيء بصولة ، وهذا اليوم بناء على القول الأول المذكور يوم بدر وبناء على القول الثاني يوم القيامة ، وربما أيد توصيف البطشة بالكبرى هذا القول الثاني فإن بطش يوم القيامة وعذابه أكبر البطش والعذاب ، قال تعالى:"فيعذبه الله العذاب الأكبر": الغاشية: 24 ، كما أن أجره أكبر الأجر قال تعالى:"و لأجر الآخرة أكبر": النحل: 41.
قوله تعالى:"و لقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم"الفتنة الامتحان والابتلاء للحصول على حقيقة الشيء ، وقوله:"و جاءهم رسول كريم"إلخ ، تفسير للامتحان ، والرسول الكريم موسى (عليه السلام) ، والكريم هو المتصف بالخصال الحميدة قال الراغب: الكرم إذا وصف الله تعالى به فهو اسم لإحسانه وإنعامه المتظاهر نحو قوله:"إن ربي غني كريم"وإذا وصف به الإنسان فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه ، ولا يقال: هو كريم حتى يظهر ذلك منه ، قال: وكل شيء شرف في بابه فإنه يوصف بالكرم قال تعالى:"أنبتنا فيها من كل زوج كريم""و زروع ومقام كريم""إنه لقرآن كريم""و قل لهما قولا كريما"انتهى.
قوله تعالى:"أن أدوا إلى عباد الله إني لكم رسول أمين"تفسير لمجيء الرسول فإن معنى مجيء الرسول تبليغ الرسالة وكان من رسالة موسى (عليه السلام) إلى فرعون وقومه أن يرسلوا معهم بني إسرائيل ولا يعذبوهم ، والمراد بعباد الله بنو إسرائيل وعبر عنهم بذلك استرحاما وتلويحا إلى أنهم في استكبارهم وتعديهم عليهم إنما يستكبرون على الله لأنهم عباد الله.
وفي قوله:"إني لكم رسول أمين"حيث وصف نفسه بالأمانة دفع لاحتمال أن يخونهم في دعوى الرسالة وإنجاء بني إسرائيل من سيطرتهم فيخرج معهم عليهم فيخرجهم من أرضهم كما حكى تعالى عن فرعون إذ قال للملإ حوله:"إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره": الشعراء: 25.
وقيل:"عباد الله"نداء لفرعون وقومه والتقدير أن أدوا إلى ما آمركم به يا عباد الله ، ولا يخلو من التقدير المخالف للظاهر.
قوله تعالى:"و أن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين"أي لا تتجبروا على الله بتكذيب رسالتي والإعراض عما أمركم الله فإن تكذيب الرسول في رسالته استعلاء وتجبر على من أرسله والدليل على أن المراد ذلك تعليل النهي بقوله:"إني آتيكم بسلطان مبين"أي حجة بارزة من الآيات المعجزة أو حجة المعجزة وحجة البرهان.
قيل: ومن حسن التعبير الجمع بين التأدية والأمين وكذا بين العلو والسلطان.
قوله تعالى:"و إني عذت بربي وربكم أن ترجمون"أي التجأت إليه تعالى من رجمكم إياي فلا تقدرون على ذلك ، والظاهر أنه إشارة إلى ما آمنه ربه قبل المجيء إلى القوم كما في قوله تعالى:"قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى": طه: 46.