و بما مر يظهر فساد ما قيل: إن هذا كان قبل أن يخبره الله بعجزهم عن رجمه بقوله سبحانه:"فلا يصلون إليكما".
قوله تعالى:"و إن لم تؤمنوا لي فاعتزلون"أي إن لم تؤمنوا لي فكونوا بمعزل مني لا لي ولا علي ولا تتعرضوا لي بخير أو شر ، وقيل: المراد تنحوا عني وانقطعوا ، وهو بعيد.
قوله تعالى:"فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون"أي دعاه بأن هؤلاء قوم مجرمون وقد ذكر من دعائه السبب الداعي له إلى الدعاء وهو إجرامهم إلى حد يستحقون معه الهلاك ويعلم ما سأله مما أجاب به ربه تعالى إذ قال:"فأسر بعبادي"إلخ ، وهو الإهلاك.
قوله تعالى:"فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون"الإسراء: السير بالليل فيكون قوله:"ليلا"تأكيدا له وتصريحا به ، والمراد بعبادي بنو إسرائيل ، وقوله:"إنكم متبعون"أي يتبعكم فرعون وجنوده ، وهو استئناف يخبر عما سيقع عقيب الإسراء.
وفي الكلام إيجاز بالحذف والتقدير فقال له: أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون يتبعكم فرعون وجنوده.
قوله تعالى:"و اترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون"قال في المفردات: واترك البحر رهوا أي ساكنا ، وقيل: سعة من الطريق وهو الصحيح.
انتهى.
وقوله:"إنهم جند مغرقون"تعليل لقوله:"و اترك البحر رهوا".
وفي الكلام إيجاز بالحذف اختصارا والتقدير: أسر بعبادي ليلا يتبعكم فرعون وجنوده حتى إذا بلغتم البحر فاضربه بعصاك لينفتح طريق لجوازكم فجاوزوه واتركه ساكنا أو مفتوحا على حاله فيدخلونه طمعا في إدراككم فهم جند مغرقون.
قوله تعالى:"كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك""كم"للتكثير أي كثيرا ما تركوا ، وقوله:"من جنات"إلخ... بيان لما تركوا ، والمقام الكريم المساكن الحسنة الزاهية ، والنعمة فتح النون التنعم وبناؤها بناء المرة كالضربة وبكسر النون قسم من التنعم وبناؤها بناء النوع كالجلسة وفسروا النعمة هاهنا بما يتنعم به وهو أنسب للترك ، وفاكهين من الفكاهة بمعنى حديث الأنس ولعل المراد به هاهنا التمتع كما يتمتع بالفواكه وهي أنواع الثمار.
وقوله:"كذلك"قيل: معناه الأمر كذلك ، وقيل: المعنى نفعل فعلا كذلك لمن نريد إهلاكه ، وقيل: الإشارة إلى الإخراج المفهوم من الكلام السابق ، والمعنى: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها.
ويمكن أن يكون حالا من مفعول"تركوا"المحذوف والمعنى: كثيرا ما تركوا أشياء كذلك أي على حالها والله أعلم.
قوله تعالى:"و أورثناها قوما آخرين"الضمير لمفعول"تركوا"المحذوف المبين بقوله:"من جنات"إلخ ، والمعنى ظاهر.
قوله تعالى:"فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين"بكاء السماء والأرض على شيء فائت كناية تخييلية عن تأثرهما عن فوته وفقده فعدم بكائهما عليهم بعد إهلاكهم كناية عن هوان أمرهم على الله وعدم تأثير هلاكهم في شيء من أجزاء الكون.
وقوله:"و ما كانوا منظرين"كناية عن سرعة جريان القضاء الإلهي والقهر الربوبي في حقهم وعدم مصادفته لمانع يمنعه أو يحتاج إلى علاج في رفعه حتى يتأخر به.
قوله تعالى:"و لقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين"وهو ما يصيبهم وهم في أسارة فرعون من ذبح الأبناء واستحياء النساء وغير ذلك.
قوله تعالى:"من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين""من فرعون"بدل من قوله:"من العذاب"إما بحذف مضاف والتقدير من عذاب فرعون ، أو من غير حذف بجعل فرعون عين العذاب دعوى للمبالغة ، وقوله:"إنه كان عاليا من المسرفين"أي متكبرا من أهل الإسراف والتعدي عن الحد.
قوله تعالى:"و لقد اخترناهم على علم على العالمين"أي اخترناهم على علم منا باستحقاقهم الاختيار على ما يفيده السياق.
والمراد بالعالمين جميع العالمين من الأمم إن كان المراد بالاختيار الاختيار من بعض الوجوه ككثرة الأنبياء فإنهم يمتازون من سائر الأمم بكثرة الأنبياء المبعوثين منهم ويمتازون بأن مر عليهم دهر طويل في التيه وهم يتظلون بالغمام ويأكلون المن والسلوى إلى غير ذلك.
وعالمو أهل زمانهم إن كان المراد بالاختيار مطلقة فإنهم لم يختاروا على الأمة الإسلامية التي خاطبهم الله تعالى بمثل قوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس": آل عمران: 110 ، وقوله:"هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج": الحج: 78.