فهرس الكتاب

الصفحة 3735 من 4314

و يمكن أن يوجه بوجه ثالث وهو أن يقولوا:"إن هي إلا موتتنا الأولى"بعد ما سمعوا قوله تعالى:"قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين"الآية ، وقد تقدم في تفسير الآية أن الإماتة الأولى هي الموتة بعد الحياة الدنيا ، والإماتة الثانية هي التي بعد الحياة البرزخية فهم في قولهم:"إن هي إلا موتتنا الأولى"ينفون الموتة الثانية الملازمة للحياة البرزخية التي هي حياة بعد الموت فإنهم يرون موت الإنسان انعداما له وبطلانا لذاته.

ويمكن أن يوجه بوجه رابع وهو أن يرجع التقيد بالأولى إلى الحكاية دون المحكي وذلك بأن يكون الذي قالوا إنما هو"إن هي إلا موتتنا"ويكون معنى الكلام أن هؤلاء ينفون الحياة بعد الموت ويقولون: إن هي إلا موتتنا يريدون الموتة الأولى من الموتتين اللتين ذكرنا في قولنا:"قالوا ربنا أمتنا اثنتين"الآية.

والوجوه الأربع مختلفة في القرب من الفهم فأقربها ثالثها ثم الرابع ثم الأول.

قوله تعالى:"فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين"تتمة كلام القوم وخطاب منهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين به حيث كانوا يذكرون لهم البعث والإحياء فاحتجوا لرد الإحياء بعد الموت بقولهم:"فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين"أي فليحي آباؤنا الماضون بدعائكم أو بأي وسيلة اتخذتموها حتى نعلم صدقكم في دعواكم أن الأموات سيحيون وأن الموت ليس بانعدام.

قوله تعالى:"أ هم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين"تهديد للقوم بالإهلاك كما أهلك قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم.

وتبع هذا ملك من ملوك الحمير باليمن واسمه على ما ذكروا أسعد أبو كرب وقيل: سعد أبو كرب وسيأتي في البحث الروائي نبذة من قصته وفي الكلام نوع تلويح إلى سلامة تبع نفسه من الإهلاك.

قوله تعالى:"و ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون"ضمير التثنية في قوله:"و ما بينهما"لجنسي السماوات والأرض ولذا لم يجمع ، والباء في قوله"بالحق"للملابسة أي ما خلقناهما إلا متلبستين بالحق ، وجوز بعضهم كونها للسببية أي ما خلقناهما بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق الذي هو الإيمان والطاعة والبعث والجزاء ، ولا يخفى بعده.

ومضمون الآيتين حجة برهانية على ثبوت المعاد وتقريرها أنه لو لم يكن وراء هذا العالم عالم ثابت باق بل كان الله لا يزال يوجد أشياء ثم يعدمها ثم يوجد أشياء أخر ثم يعدمها ويحيي هذا ثم يميته ويحيي آخر وهكذا كان لاعبا في فعله عابثا به واللعب عليه تعالى محال ففعله حق له غرض صحيح فهناك عالم آخر باق دائمي ينتقل إليه الأشياء وما في هذا العالم الدنيوي الفاني البائد مقدمة للانتقال إلى ذلك العالم وهو الحياة الآخرة.

وقد فصلنا القول في هذا البرهان في تفسير الآية 16 من سورة الأنبياء ، والآية 27 من سورة ص فليراجع.

وقوله:"و لكن أكثرهم لا يعلمون"تقريع لهم بالجهل.

قوله تعالى:"إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين"بيان لصفة اليوم الذي يثبته البرهان السابق وهو يوم القيامة الذي فيه يقوم الناس لرب العالمين.

وسماه الله يوم الفصل لأنه يفصل فيه بين الحق والباطل وبين المحق والمبطل والمتقين والمجرمين أو لأنه يوم القضاء الفصل منه تعالى.

وقوله:"ميقاتهم أجمعين"أي موعد الناس أجمعين أو موعد من تقدم ذكره من قوم تبع وقوم فرعون ومن تقدمهم وقريش وغيرهم.

قوله تعالى:"يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون"بيان ليوم الفصل ، والمولى هو الصاحب الذي له أن يتصرف في أمور صاحبه ويطلق على من يتولى الأمر وعلى من يتولى أمره والمولى الأول في الآية هو الأول والثاني هو الثاني.

والآية تنفي أولا إغناء مولى عن مولاه يومئذ ، وتخبر ثانيا أنهم لا ينصرون والفرق بين المعنيين أن الإغناء يكون فيما استقل المغني في عمله ولا يكون لمن يغني عنه صنع في ذلك ، والنصرة إنما تكون فيما كان للمنصور بعض أسباب الظفر الناقصة ويتم له ذلك بنصرة الناصر.

والوجه في انتفاء الإغناء والنصر يومئذ أن الأسباب المؤثرة في نشأة الحياة الدنيا تسقط يوم القيامة ، قال تعالى:"و تقطعت بهم الأسباب": البقرة: 166 ، وقال:"فزيلنا بينهم": يونس: 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت