قوله تعالى:"إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم"استثناء من ضمير"لا هم ينصرون"والآية من أدلة الشفاعة يومئذ وقد تقدم تفصيل القول في الشفاعة في الجزء الأول من الكتاب.
هذا على تقدير رجوع ضمير"لا هم ينصرون"إلى الناس جميعا على ما هو الظاهر.
وأما لو رجع إلى الكفار كما قيل فالاستثناء منقطع والمعنى: لكن من رحمة الله وهم المتقون فإنهم في غني عن مولى يغني عنهم وناصر ينصرهم.
وأما ما جوزه بعضهم من كونه استثناء متصلا من"مولى"فقد ظهر فساده مما قدمناه فإن الإغناء إنما هو فيما لم يكن عند الإنسان شيء من أسباب النجاة ومن كان على هذه الصفة لم يغن عنه مغن ولا استثناء والشفاعة نصرة تحتاج إلى بعض أسباب النجاة وهو الدين المرضي وقد تقدم في بحث الشفاعة ، نعم يمكن أن يوجه بما سيجيء في رواية الشحام.
وقوله:"إنه هو العزيز الرحيم"أي الغالب الذي لا يغلبه شيء حتى يمنعه من تعذيب من يريد عذابه ، ومفيض الخير على من يريد أن يرحمه ويفيض الخير عليه ومناسبة الاسمين الكريمين لمضامين الآيات ظاهرة.
قوله تعالى:"إن شجرة الزقوم طعام الأثيم"تقدم الكلام في شجرة الزقوم في تفسير سورة الصافات ، والأثيم من استقر فيه الإثم إما بالمداومة على معصية أو بالإكثار من المعاصي والآية إلى تمام ثمان آيات بيان حال أهل النار.
قوله تعالى:"كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم"المهل هو المذاب من النحاس والرصاص وغيرهما ، والغلي والغليان معروف ، والحميم الماء الحار الشديد الحرارة ، وقوله:"كالمهل"خبر ثان لقوله:"إن"كما أن قوله:"طعام الأثيم"خبر أول ، وقوله:"يغلي في البطون كغلي الحميم"خبر ثالث ، والمعنى ظاهر.
قوله تعالى:"خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم"الاعتلاء الزعزعة والدفع بعنف وسواء الجحيم وسطه ، والخطاب للملائكة الموكلين على النار أي نقول للملائكة خذوا الأثيم وادفعوه بعنف إلى وسط النار لتحيط به قال تعالى:"و إن جهنم لمحيطة بالكافرين": التوبة: 49.
قوله تعالى:"ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم"كان المراد بالعذاب ما يعذب به ، وإضافته إلى الحميم بيانية والمعنى: ثم صبوا فوق رأسه من الحميم الذي يعذب به.
قوله تعالى:"ذق إنك أنت العزيز الكريم"خطاب يخاطب به الأثيم وهو يقاسي العذاب بعد العذاب ، وتوصيفه بالعزة والكرامة على ما هو عليه من الذلة واللآمة استهزاء به تشديدا لعذابه وقد كان يرى في الدنيا لنفسه عزة وكرامة لا تفارقانه كما يظهر مما حكى الله سبحانه من قوله:"و ما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى": حم السجدة: 50.
قوله تعالى:"إن هذا ما كنتم به تمترون"الامتراء الشك والارتياب ، والآية تتمة قولهم له:"ذق"إلخ ، وفيها تأكيد وإعلام لهم بخطاهم وزلتهم في الدنيا حيث ارتابوا فيما يشاهدونه اليوم من العذاب مشاهدة عيان ، ولذا عبر عن تحمل العذاب بالذوق لما أنه يعبر عن إدراك ألم المولمات ولذة الملذات إدراكا تاما بالذوق.
ويمكن أن تكون الآية استئنافا من كلام الله سبحانه يخاطب به الكفار بعد ذكر حالهم في يوم القيامة ، وربما أيده قوله:"كنتم به تمترون"بخطاب الجمع والخطاب في الآيات السابقة بالإفراد.
قوله تعالى:"إن المتقين في مقام أمين"المقام محل القيام بمعنى الثبوت والركوز ولذا فسر أيضا بموضع الإقامة ، والأمين صفة من الأمن بمعنى عدم إصابة المكروه ، والمعنى: أن المتقين - يوم القيامة - ثابتون في محل ذي أمن من إصابة المكروه مطلقا.
وبذلك يظهر أن نسبة الأمن إلى المقام بتوصيف المقام بالأمين من المجاز في النسبة.
قوله تعالى:"في جنات وعيون"بيان لقوله:"في مقام أمين"وجعل العيون ظرفا لهم باعتبار المجاورة ووجودها في الجنات التي هي ظرف ، وجمع الجنات باعتبار اختلاف أنواعها أو باعتبار أن لكل منهم وحده جنة أو أكثر.
قوله تعالى:"يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين"السندس الرقيق من الحرير والإستبرق الغليظ منه وهما معربان من الفارسية.
وقوله:"متقابلين"أي يقابل بعضهم بعضا للاستيناس إذ لا شر ولا مكروه عندهم لكونهم في مقام أمين.