قوله تعالى:"كذلك وزوجناهم بحور عين"أي الأمر كذلك أي كما وصفناه والمراد بتزويجهم بالحور جعلهم قرناء لهن من الزوج بمعنى القرين وهو أصل التزويج في اللغة ، والحور جمع حوراء بمعنى شديدة سواد العين وبياضها أو ذات المقلة السوداء كالظباء ، والعين جمع عيناء بمعنى عظيمة العينين ، وظاهر كلامه تعالى أن الحور العين غير نساء الدنيا الداخلة في الجنة.
قوله تعالى:"يدعون فيها بكل فاكهة آمنين"أي آمنين من ضررها.
قوله تعالى:"لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم"أي إنهم في جنة الخلد أحياء بحياة أبدية لا يعتريها موت.
وقد استشكل في الآية بأن استثناء الموتة الأولى من قوله:"لا يذوقون فيها الموت"يفيد أنهم يذوقون الموتة الأولى فيها ، والمراد خلافه قطعا ، وبتقرير آخر الموتة الأولى هي موتة الدنيا وقد مضت بالنسبة إلى أهل الجنة ، والتلبس في المستقبل بأمر ماض محال قطعا فما معنى استثناء الموتة الأولى من عدم الذوق في المستقبل؟.
وهنا إشكال آخر لم يتعرضوا له وهو أنه قد تقدم في قوله تعالى:"ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين": المؤمن: 11 ، إن بين الحياة الدنيا والساعة موتتين: موتة بالانتقال من الدنيا إلى البرزخ وموتة بالانتقال من البرزخ إلى الآخرة ، والظاهر أن المراد بالموتة الأولى في الآية هي موتة الدنيا الناقلة للإنسان إلى البرزخ فهب أنا أصلحنا استثناء الموتة الأولى بوجه فما بال الموتة الثانية لم تستثن؟ وما الفرق بينهما وهما موتتان ذاقوهما قبل الدخول في جنة الخلد؟.
وأجيب عن الإشكال الأول بأن الاستثناء منقطع ، والمعنى: لكنهم قد ذاقوا الموتة الأولى في الدنيا وقد مضت فعموم قوله:"لا يذوقون فيها الموت"على حاله.
وعلى تقدير عدم كون الاستثناء منقطعا"إلا"بمعنى سوى و"إلا الموتة الأولى"بدل من"الموت"وليس من الاستثناء في شيء ، والمعنى: لا يذوقون فيها سوى الموتة الأولى من الموت أما الموتة الأولى فقد ذاقوها ومحال أن تعود وتذاق وهي أولى.
وأجيب ببعض وجوه أخر لا يعبأ به ، وأنت خبير بأن شيئا من الوجهين لا يوجه اتصاف الموتة بالأولى وقد تقدم في تفسير قوله:"إن هي إلا موتتنا الأولى"الآية ، وجوه في ذلك.
وأما الإشكال الثاني فيمكن أن يجاب عنه بالجواب الثاني المتقدم لما أن هناك موتتين الموتة الأولى وهي الناقلة للإنسان من الدنيا إلى البرزخ والموتة الثانية وهي الناقلة له من البرزخ إلى الآخرة فإذا كان"إلا"في قوله:"إلا الموتة الأولى"بمعنى سوى والمجموع بدلا من الموت كانت الآية مسوقة لنفي غير الموتة الأولى وهي الموتة الثانية التي هي موتة البرزخ فلا موت في جنة الآخرة لا موتة الدنيا لأنها تحققت لهم قبلا ولا غير موتة الدنيا التي هي موتة البرزخ ، ويتبين بهذا وجه تقييد الموتة بالأولى.
وقوله:"و وقاهم عذاب الجحيم"الوقاية حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره ، فالمعنى: وحفظهم من عذاب الجحيم ، وذكر وقايتهم من عذاب الجحيم مع نفي الموت عنهم تتميم لقسمة المكاره أي إنهم مصونون من الانتقال من دار إلى دار ومن نشأة الجنة إلى نشأة غيرها وهو الموت ومصونون من الانتقال من حال سعيدة إلى حال شقية وهي عذاب الجحيم.
قوله تعالى:"فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم"حال مما تقدم ذكره من الكرامة والنعمة ، ويمكن أن يكون مفعولا مطلقا أو مفعولا له ، وعلى أي حال هو تفضل منه تعالى من غير استحقاق من العباد استحقاقا يوجب عليه تعالى ويلزمه على الإثابة فإنه تعالى مالك غير مملوك لا يتحكم عليه شيء ، وإنما هو وعده لعباده ثم أخبر أنه لا يخلف وعده ، وقد تقدم تفصيل القول في هذا المعنى في الأبحاث السابقة.
وقوله:"ذلك هو الفوز العظيم"الفوز هو الظفر بالمراد وكونه فوزا عظيما لكونه آخر ما يسعد به الإنسان.
قوله تعالى:"فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون"تفريع على جميع ما تقدم من أول السورة إلى هنا وفذلكة للجميع ، والتيسير التسهيل ، والضمير للكتاب والمراد بلسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) العربية.
والمعنى: فإنما سهلنا القرآن - أي فهم مقاصده - بالعربية لعلهم - أي لعل قومك - يتذكرون فتكون الآية قريبة المعنى من قوله:"إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون": الزخرف: 3.