فهرس الكتاب

الصفحة 3740 من 4314

فمعنى قوله:"إن في السماوات والأرض"إلخ ، إن لوجود السماوات والأرض جهات دالة على أن الله تعالى هو خالقها المدبر لها وحده لا شريك له فإنها بحاجتها الذاتية إلى من يوجدها وعظمة خلقتها وبداعة تركيبها واتصال وجود بعضها ببعض وارتباطه على كثرتها الهائلة واندراج أنظمتها الجزئية الخاصة بكل واحد تحت نظام عام يجمعها ويحكم فيها تدل على أن لها خالقا هو وحده ربها المدبر أمرها فلو لا أن هناك من يوجدها لم توجد من رأس ، ولو لا أن مدبرها واحد لتناقضت النظامات وتدافعت واختلف التدبير.

ومما تقدم يظهر أن قول بعضهم: إن قوله:"في السماوات"بتقدير مضاف محذوف والتقدير في خلق السماوات ، تكلف من غير ضرورة تدعو إليه.

قوله تعالى:"و في خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون"البث التفريق والإثارة وبثه تعالى للدواب خلقها وتفريقها ونشرها على الأرض كما قال في خلق الإنسان:"ثم إذا أنتم بشر تنتشرون": الروم: 20.

ومعنى الآية: وفيكم من حيث وجودكم المخلوق وفيما يفرقه الله من دابة من حيث خلقها آيات لقوم يسلكون سبيل اليقين.

وخلق الإنسان على كونه موجودا أرضيا له ارتباط بالمادة نوع آخر من الخلق يغاير خلق السماوات والأرض لأنه مركب من بدن أرضي مؤلف من مواد كونية عنصرية تفسد بالموت بالتفرق والتلاشي وأمر آخر وراء ذلك علوي غير مادي لا يفسد بالموت بل يتوفى ويحفظ عند الله ، وهو الذي يسميه القرآن بالروح قال تعالى:"و نفخت فيه من روحي": الحجر: 29 ، وقال بعد ذكر خلق الإنسان من نطفة ثم من علقة ثم مضغة ثم تتميم خلق بدنه:"ثم أنشأناه خلقا آخر": المؤمنون: 14 وقال:"قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم": الم السجدة: 11.

فالناظر في خلق الإنسان ناظر في آية ملكوتية وراء الآيات المادية وكذا الناظر في خلق الدواب ولها نفوس ذوات حياة وشعور وإن كانت دون الإنسان في حياتها وشعورها كما أنها دونه في تجهيزاتها البدنية ففي الجميع آيات لأهل اليقين يعرفون بها الله سبحانه بأنه واحد لا شريك له في ربوبيته وألوهيته.

قوله تعالى:"و اختلاف الليل والنهار"إلى آخر الآية هذا القبيل من الآيات آيات ما بين السماء والأرض.

وقوله:"و اختلاف الليل والنهار"يريد به اختلافهما في الطول والقصر اختلافا منظما باختلاف الفصول الأربعة بحسب بقاع الأرض المختلفة ويتكرر بتكرر السنين يدبر سبحانه بذلك أقوات أهل الأرض ويربيهم بذلك تربية صالحة قال تعالى:"و قدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين": حم السجدة: 10.

وقوله:"و ما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها"المراد بالرزق الذي ينزله الله من السماء هو المطر تسمية للسبب باسم المسبب مجازا أو لأن المطر أيضا من الرزق فإن مياه الأرض من المطر ، والمراد بالسماء جهة العلو أو السحاب مجازا ، وإحياء الأرض به بعد موتها هو إحياء ما فيها من النبات بالأخذ في الرشد والنمو ، ولا يخلو التعرض للإحياء بعد الموت من تلويح إلى المعاد.

وقوله:"و تصريف الرياح"أي تحويلها وإرسالها من جانب إلى جانب ، لتصريفها فوائد عامة كثيرة من أعمها سوق السحب إلى أقطار الأرض وتلقيح النباتات ودفع العفونات والروائح المنتنة.

وقوله:"آيات لقوم يعقلون"أي يميزون بين الحق والباطل والحسن والقبيح بالعقل الذي أودعه الله سبحانه فيهم.

وقد خص كل قبيل من الآيات بقوم خاص فخصت آية السماوات والأرض بالمؤمنين وآية الإنسان وسائر الحيوان بقوم يوقنون ، وآية اختلاف الليل والنهار والأمطار وتصريف الرياح بقوم يعقلون.

ولعل الوجه في ذلك أن آية السماوات والأرض تدل بدلالة بسيطة ساذجة على أنها لم توجد نفسها بنفسها ولا عن اتفاق وصدفة بل لها موجد أوجدها مع ما لها من الآثار والأفعال التي يتحصل منها النظام المشهود فخالقها خالق الجميع ورب الكل ، والإنسان يدرك ذلك بفهمه البسيط الساذج والمؤمنون بجميع طبقاتهم يفهمون ذلك وينتفعون به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت