و أما أنه خلق الإنسان وسائر الدواب التي لها حياة وشعور فإنها من حيث أرواحها ونفوسها الحية الشاعرة من عالم وراء عالم المادة وهو المسمى بالملكوت وقد خص القرآن كمال إدراكه ومشاهدته بأهل اليقين كما قال:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين": الأنعام: 75.
وأما آية اختلاف الليل والنهار والأمطار المحيية للأرض وتصريف الرياح فإنها لتنوع أقسامها وتعدد جهاتها وارتباطها بالأرض والأرضيات وكثرة فوائدها وسعة منافعها تحتاج إلى تعقل فكري تفصيلي عميق ولا تنال بالفهم البسيط الساذج ولذلك خصت بقوم يعقلون والآيات آيات لجميع الناس لكن لما كان المنتفع بها بعضهم خصت بهم.
وقد عبر عن أهل اليقين والعقل بقوم يوقنون وبقوم يعقلون وعن أهل الإيمان بالمؤمنين لأن بساطة آية أهل الإيمان تفيد أن المراد بالإيمان أصله وهو ثابت فيهم فناسب التعبير عنهم بالوصف بخلاف آيتي أهل اليقين والعقل فإنهما لدقتهما وعلو منالهما تدركان شيئا فشيئا فناسبتا التعبير بالفعل المضارع الدال على الاستمرار التجددي.
وقيل في وجه ما في الآيات الثلاث من الترتيب بين أهلها حيث ذكر أولا أهل الإيمان ثم الإيقان ثم العقل أنه على ترتيب الترقي فإن الإيقان مرتبة خاصة في الإيمان فهو بعد الإيمان والعقل مدار الإيمان والإيقان ونعني العقل المؤيد بنور البصيرة فبسببه يخلص اليقين من اعتراء الشكوك من كل وجه وفي استحكامه كل خير.
وروعي في ترتيب الآيات ما روعي في ترتيب المراتب الثلاث.
وفيه أن مقتضى ما وصفه من أمر العقل وقوعه قبل الثاني بل قبل أول المراتب على أن ما ذكره من إمكان اعتراء الشكوك على اليقين مما لا سبيل إلى تصوره.
وقيل في وجه الترتيب: أن تمام النظر في الثاني يضطر إلى النظر في الأول لأن السماوات والأرض من أسباب تكون الحيوان بوجه فيجب أن تذكر قبله ، وكذلك النظر في الثالث يضطر إلى النظر في الأولين أما الأول فظاهر ، وأما الثاني فلأنه العلة الغائية فلا بد أن يكون جامعا أي إن الثالث وهو المعلول يتوقف في معرفته على ذكر علته الغائية قبله.
وفيه أنه على تقدير صحته وجه لترتب الآيات دون مراتب الصفات الثلاث أعني الإيمان والإيقان والعقل.
على أن الثالث أيضا كالأول من أسباب تكون الحيوان فيجب أن يتقدم على الثاني ، وبوجه آخر الثاني علة غائية للأول فيجب أن يتقدم على الأول كما تقدم على الثالث.
وقيل: إن السبب في ترتيب هذه الفواصل أنه قيل: إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل ، وإن كنتم لستم بمؤمنين وكنتم من طلاب الجزم واليقين فافهموا هذه الدلائل ، وإن كنتم لستم بمؤمنين ولا موقنين فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل.
وفيه أنه على تقدير صحته وجه لترتب الصفات الثلاث دون أقسام الآيات الثلاثة على أن لازمه أن لا يختص شيء من الآيات الثلاث بواحدة من الصفات الثلاث بل يكون الجميع للجميع والسياق لا يساعد عليه على أن ظاهر كلامه أنه فسر اليقين بالجزم وهو العلم فلا يبقى للعقل إلا الحكم الظني ولا يعبأ به في المعارف الاعتقادية.
قوله تعالى:"تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون"الإيمان بأمر هو العلم به مع الالتزام به عملا فلو لم يلتزم لم يكن إيمانا وإن كان هناك علم ، قال تعالى:"و جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم": النمل: 14 ، وقال:"و أضله الله على علم": الجاثية: 23.
والآيات هي العلامات الدالة فآيات الله الكونية هي الأمور الكونية الدالة بوجودها الخارجي على كونه تعالى واحدا في الخلق متصفا بصفات الكمال منزها عن كل نقص وحاجة ، والإيمان بهذه الآيات هو الإيمان بدلالتها عليه تعالى ولازمه الإيمان به تعالى كما تدل هي عليه.
والآيات القرآنية آيات له تعالى بما تدل على الآيات الكونية الدالة عليه سبحانه أو على معارف اعتقادية أو أحكام عملية أو أخلاق يرتضيها الله سبحانه ويأمر بها فإن مضامينها دالة عليه ومن عنده ، والإيمان بهذه الآيات أيضا إيمان بدلالتها ويلزمه الإيمان بمدلولها.
والآيات المعجزة أيضا إما آيات كونية ودلالتها دلالة الآيات الكونية وإما غير كونية كالقرآن في إعجازه ومرجع دلالتها إلى دلالة الآيات الكونية.