و في قوله:"ليجزي قوما"وضع الظاهر موضع الضمير ، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: ليجزيهم ، والنكتة فيه مع كون"قوما"نكرة غير موصوفة تحقير أمرهم وعدم العناية بشأنهم كأنهم قوم منكرون لا يعرف شخصهم ولا يهتم بشيء من أمرهم.
وبما تقدم من تقرير معنى الآية تتصل الآية وما بعدها بما قبلها وتندفع الإشكالات التي أوردوها عليها واهتموا بالجواب عنها ، ويظهر فساد المعاني المختلفة التي ذكروها لها ومن أراد الاطلاع عليها فليراجع المطولات.
قوله تعالى:"من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون"في موضع التعليل لقوله:"ليجزي قوما"إلخ ، ولذا لم يعطف وليس من الاستئناف في شيء.
ومحصل المعنى: ليجزيهم الله بما كسبوا فإن الأعمال لا تذهب سدى وبلا أثر بل من عمل صالحا انتفع به ومن أساء العمل تضرر به ثم إلى ربكم ترجعون فيجزيكم حسب أعمالكم إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا.
قوله تعالى:"و لقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة"إلخ ، لما بين أن للأعمال آثارا حسنة أو سيئة تلحق صاحبيها أراد التنبيه على تشريع شريعة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ كان على الله سبحانه أن يهدي عباده إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم كما قال تعالى:"و على الله قصد السبيل ومنها جائر": النحل: 9.
فنبه على ذلك بقوله الآتي:"ثم جعلناك على شريعة من الأمر"إلخ ، وقدم على ذلك الإشارة إلى ما آتى بني إسرائيل من الكتاب والحكم والنبوة ورزقهم من الطيبات وتفضيلهم وإيتائهم البينات ليؤذن به أن الإفاضة الإلهية بالشريعة والنبوة والكتاب ليست ببدع لم يسبق إليه بل لها نظير في بني إسرائيل وهم بمرآهم ومسمعهم.
فقوله:"و لقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة"المراد بالكتاب التوراة المشتملة على شريعة موسى (عليه السلام) وأما الإنجيل فلا يتضمن الشريعة وشريعته شريعة التوراة ، وأما زبور داود فهي أدعية وأذكار ، ويمكن أن يراد بالكتاب جنسه الشامل للتوراة والإنجيل والزبور كما قيل لكن يبعده أن الكتاب لم يطلق في القرآن إلا على ما يشتمل على الشريعة.
والمراد بالحكم بقرينة ذكره مع الكتاب ما يحكم ويقضي به الكتاب من وظائف الناس كما يذكره قوله تعالى:"و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه": البقرة: 213 ، وقال في التوراة:"يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله": المائدة: 44 ، فالحكم من لوازم الكتاب كما أن النبوة من لوازمه.
والمراد بالنبوة معلوم وقد بعث الله من بني إسرائيل جما غفيرا من الأنبياء كما في الأخبار وقص في كتابه جماعة من رسلهم.
وقوله:"و رزقناهم من الطيبات"أي طيبات الرزق ومن ذلك المن والسلوى.
وقوله:"و فضلناهم على العالمين"إن كان المراد جميع العالمين فقد فضلوا من بعض الجهات ككثرة الأنبياء المبعوثين والمعجزات الكثيرة الظاهرة من أنبيائهم ، وإن كان المراد عالمي زمانهم فقد فضلوا من جميع الجهات.
قوله تعالى:"و آتيناهم بينات من الأمر"إلى آخر الآية المراد بالبينات الآيات البينات التي تزيل كل شك وريب وتمحوه عن الحق ويشهد بذلك تفريع قوله:"فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم".
والمراد بالأمر قيل: هو أمر الدين ، و"من"بمعنى في والمعنى: وأعطيناهم دلائل بينة في أمر الدين ويندرج فيه معجزات موسى (عليه السلام) .
وقيل: المراد به أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمعنى: آتيناهم آيات من أمر النبي وعلامات مبينة لصدقه كظهوره في مكة ومهاجرته منها إلى يثرب ونصرة أهله وغير ذلك مما كان مذكورا في كتبهم.
وقوله:"فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم"يشير إلى أن ما ظهر بينهم من الاختلاف في الدين واختلاط الباطل بالحق لم يكن عن شبهة أو جهل وإنما أوجدها علماؤهم بغيا وكان البغي دائرا بينهم.
وقوله:"إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون"إشارة إلى أن اختلافهم الذي لا يخلو من اختلاط الباطل بالحق لا يذهب سدى وسيؤثر أثره ويقضي الله بينهم يوم القيامة فيجزون على حسب ما يستدعيه أعمالهم.