فهرس الكتاب

الصفحة 3748 من 4314

و قوله:"و هدى ورحمة لقوم يوقنون"أي دلالة واضحة وإفاضة خير لهم ، والمراد بقوم يوقنون: الذين يوقنون بآيات الله الدالة على أصول المعارف فإن المعهود في القرآن تعلق الإيقان بالأصول الاعتقادية.

وتخصيص الهدى والرحمة بقوم يوقنون مع التصريح بكونه بصائر للناس لا يخلو من تأييد لكون المراد بالهدى الوصول إلى المطلوب دون مجرد التبصر ، وبالرحمة الرحمة الخاصة بمن اتقى وآمن برسوله بعد الإيمان بالله ، قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم": الحديد: 28 ، وقال:"ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب - إلى أن قال - وبالآخرة هم يوقنون": البقرة: 4 ، وللرحمة درجات كثيرة تختلف سعة وضيقا ثم للرحمة الخاصة بأهل الإيمان أيضا مراتب مختلفة باختلاف مراتب الإيمان فلكل مرتبة من مراتبه ما يناسبها منها.

وأما الرحمة بمعنى مطلق الخير الفائض منه تعالى فإن القرآن بما يشتمل على الشريعة رحمة للناس كافة كما أن الرسول المبعوث به رحمة لهم جميعا ، قال تعالى:"و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين": الأنبياء: 107 ، وقد أوردنا بعض الكلام في هذا المعنى في بعض المباحث السابقة.

قوله تعالى:"أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم"إلخ ، قال في الجمع ،: الاجتراح الاكتساب ، يقال: جرح واجترح وكسب واكتسب وأصله من الجراح لأن لذلك تأثيرا كتأثير الجراح.

قال: والسيئة الفعلة القبيحة التي يسوء صاحبها باستحقاق الذم عليها.

انتهى.

والجعل بمعنى التصيير ، وقوله:"كالذين آمنوا وعملوا الصالحات"في محل المفعول الثاني للجعل ، والتقدير كائنين كالذين آمنوا ، إلخ.

وجزم الزمخشري في الكشاف على كون الكاف في"كالذين"اسما بمعنى المثل هو مفعول ثان لقوله:"نجعلهم"، وقوله:"سواء"بدلا منه.

وقوله:"سواء"بالنصب على القراءة الدائرة وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل أي مستويا أو متساويا ، وقوله:"محياهم"مصدر ميمي وفاعل"سواء"وضميره راجع إلى مجموع المجترحين والمؤمنين ، و"مماتهم"معطوف على"محياهم"وحاله كحاله.

والآية مسوقة سوق الإنكار و"أم"منقطعة ، والمعنى: بل أ حسب وظن الذين يكتسبون السيئات أن نصيرهم مثل الذين آمنوا وعملوا الصالحات مستويا محياهم ومماتهم أي تكون حياة هؤلاء كحياة أولئك وموتهم كموتهم فيكون الإيمان والتشرع بالدين لغوا لا أثر له في حياة ولا موت ويستوي وجوده وعدمه.

وقوله:"ساء ما يحكمون"رد لحسبانهم المذكور وحكمهم بالمماثلة بين مجترحي السيئات والذين آمنوا وعملوا الصالحات ومساءة الحكم كناية عن بطلانه.

فالفريقان لا يتساويان في الحياة ولا في الممات.

أما أنهما لا يتساويان في الحياة فلأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات في سلوكهم مسلك الحياة على بصيرة من أمرهم وهدى ورحمة من ربهم كما ذكره سبحانه في الآية السابقة والمسيء صفر الكف ، من ذلك وقال تعالى في موضع آخر:"فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا": طه: 124 ، وقال في موضع آخر:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها": الأنعام: 122.

وأما أنهما لا يتساويان في الممات فلأن الموت كما ينطق به البراهين الساطعة ليس انعداما للشيء وبطلانا للنفس الإنسانية كما يحسبه المبطلون بل هو رجوع إلى الله سبحانه وانتقال من نشأة الدنيا إلى نشأة الآخرة التي هي دار البقاء وعالم الخلود يعيش فيها المؤمن الصالح في سعادة ونعمة وغيره في شقاء وعذاب.

وقد أشار سبحانه إليه فيما تقدم من كلامه بقوله:"كذلك يحيي الله الموتى"وقوله:"ثم إلى ربكم ترجعون"وغير ذلك ، وسيتعرض له بقوله:"و خلق الله السماوات والأرض بالحق"إلخ.

والآية من حيث تركيب ألفاظها والمعنى المتحصل منها من معارك الآراء بين المفسرين وقد ذكروا لها محامل كثيرة والذي يعطيه السياق ويساعد عليه هو ما قدمناه ولا كثير فائدة في التعرض لوجوه أخر ذكروها فمن أراد الاطلاع عليها فليراجع المطولات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت