فهرس الكتاب

الصفحة 3749 من 4314

قوله تعالى:"و خلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون"الظاهر أن المراد بالسماوات والأرض مجموع العالم المشهود والباء في"بالحق"للملابسة فكون خلق العالم بالحق كونه حقا لا باطلا ولعبا وهو أن يكون لهذا العالم الكائن الفاسد غاية ثابتة باقية وراءه.

وقوله:"و لتجزى"إلخ ، عطف على"بالحق"والباء في قوله:"بما كسبت"للتعدية أو للمقابلة أي لتجزى مقابل ما كسبت إن كان طاعة فالثواب وإن كان معصية فالعقاب ، وقوله:"و هم لا يظلمون"حال من كل نفس أي ولتجزى كل نفس بما كسبت بالعدل.

فيئول معنى الآية إلى مثل قولنا وخلق الله السماوات والأرض بالحق وبالعدل فكون الخلق بالحق يقتضي أن يكون وراء هذا العالم عالم آخر يخلد فيه الموجودات وكون الخلق بالعدل يقتضي أن تجزى كل نفس ما تستحقه بكسبها فالمحسن يجزى جزاء حسنا والمسيء يجزى جزاء سيئا وإذ ليس ذلك في هذه النشأة ففي نشأة أخرى.

وبهذا البيان يظهر أن الآية تتضمن حجتين على المعاد إحداهما ما أشير إليه بقوله:"و خلق الله السماوات والأرض بالحق"ويسلك من طريق الحق ، والثانية ما أشير إليه بقوله:"و لتجزى"إلخ ، ويسلك من طريق العدل.

فتئول الحجتان إلى ما يشتمل عليه قوله:"و ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار": ص: 28.

والآية بما فيها من الحجة تبطل حسبانهم أن المسيء كالمحسن في الممات فإن حديث المجازاة بالثواب والعقاب على الطاعة والمعصية يوم القيامة ينفي تساوي المطيع والعاصي في الممات ، ولازم ذلك إبطال حسبانهم أن المسيء كالمحسن في الحياة فإن ثبوت المجازاة يومئذ يقتضي وجوب الطاعة في الدنيا والمحسن على بصيرة من الأمر في حياته يأتي بواجب العمل ويتزود من يومه لغده بخلاف المسيء العائش في عمى وضلال فليسا بمتساويين.

قوله تعالى:"أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم"إلى آخر الآية ظاهر السياق أن قوله:"أ فرأيت"مسوق للتعجيب أي أ لا تعجب ممن حاله هذا الحال؟ والمراد بقوله:"اتخذ إلهه هواه"حيث قدم"إلهه"على"هواه"إنه يعلم أن له إلها يجب أن يعبده - وهو الله سبحانه - لكنه يبدله من هواه ويجعل هواه مكانه فيعبده فهو كافر بالله سبحانه على علم منه ، ولذلك عقبه بقوله:"و أضله الله على علم"أي أنه ضال عن السبيل وهو يعلم.

ومعنى اتخاذ الإله العبادة والمراد بها الإطاعة فإن الله سبحانه عد الطاعة عبادة كما في قوله:"أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني": يس: 61 ، وقوله:"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله": التوبة: 31 ، وقوله:"و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله": آل عمران: 64.

والاعتبار يوافقه إذ ليست العبادة إلا إظهار الخضوع وتمثيل أن العابد عبد لا يريد ولا يفعل إلا ما أراده ورضيه معبوده فمن أطاع شيئا فقد اتخذه إلها وعبده فمن أطاع هواه فقد اتخذ إلهه هواه ولا طاعة إلا لله أو من أمر بطاعته.

فقوله:"أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه"أي أ لا تعجب ممن يعبد هواه بإطاعته واتباعه وهو يعلم أن له إلها غيره يجب أن يعبده ويطيعه لكنه يجعل معبوده ومطاعه هو هواه.

وقوله:"و أضله الله على علم"أي هو ضال بإضلال منه تعالى يضله به مجازاة لاتباعه الهوى حال كون إضلاله مستقرا على علم هذا الضال ، ولا ضير في اجتماع الضلال مع العلم بالسبيل ومعرفته كما في قوله تعالى:"و جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم": النمل: 14 وذلك أن العلم لا يلازم الهدى ولا الضلال يلازم الجهل بل الذي يلازم الهدى هو العلم مع التزام العالم بمقتضى علمه فيتعقبه الاهتداء وأما إذا لم يلتزم العالم بمقتضى علمه لاتباع منه للهوى فلا موجب لاهتدائه بل هو الضلال وإن كان معه علم.

وأما قول بعضهم: إن المراد بالعلم هو علمه تعالى والمعنى: وأضله الله على علم منه تعالى بحاله فبعيد عن السياق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت