فهرس الكتاب

الصفحة 3750 من 4314

و قوله:"و ختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة"كالعطف التفسيري لقوله:"و أضله الله على علم"والختم على السمع والقلب هو أن لا يسمع الحق ولا يعقله ، وجعل الغشاوة على البصر هو أن لا يبصر الحق من آيات الله ومحصل الجميع: أن لا يترتب على السمع والقلب والبصر أثرها وهو الالتزام بمقتضى ما ناله من الحق إذا أدركه لاستكبار من نفسه واتباع للهوى ، وقد عرفت أن الضلال عن السبيل لا ينافي العلم به إذا لم يكن هناك التزام بمقتضاه.

وقوله:"فمن يهديه من بعد الله"الضمير لمن اتخذ إلهه هواه والتفريع على ما تحصل من حاله أي إذا كان حاله هذا الحال وقد أضله الله على علم إلخ ، فمن يهديه من بعد الله سبحانه فلا هادي دونه قال تعالى:"قل إن هدى الله هو الهدى": البقرة: 120 وقال:"و من يضلل الله فما له من هاد": المؤمن: 33.

وقوله:"أ فلا تذكرون"أي أ فلا تتفكرون في حاله فتتذكروا أن هؤلاء لا سبيل لهم إلى الهدى مع اتباع الهوى فتتعظوا.

قوله تعالى:"و قالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر"إلى آخر الآية ، قال الراغب: الدهر في الأصل اسم لمدة العالم من مبدإ وجوده إلى انقضائه ، وعلى ذلك قوله تعالى:"هل أتى على الإنسان حين من الدهر"ثم يعبر به عن كل مدة كثيرة ، وهو خلاف الزمان فإن الزمان يقع على المدة القليلة والكثيرة.

انتهى.

والآية على ما يعطيه السياق - سياق الاحتجاج على الوثنيين المثبتين للصانع المنكرين للمعاد - حكاية قول المشركين في إنكار المعاد لا كلام الدهريين الناسبين للحوادث وجودا وعدما إلى الدهر المنكرين للمبدإ والمعاد جميعا إذا لم يسبق لهم ذكر في الآيات السابقة.

فقولهم:"ما هي إلا حياتنا الدنيا"الضمير للحياة أي لا حياة لنا إلا حياتنا الدنيا لا حياة وراءها فلا وجود لما يدعيه الدين الإلهي من البعث والحياة الآخرة ، وهذا هو القرينة المؤيدة لأن يكون المراد بقوله:"نموت ونحيا"يموت بعضنا ويحيا بعضنا الآخر فيستمر بذلك بقاء النسل الإنساني بموت الأسلاف وحياة الأخلاف ويؤيد ذلك بعض التأييد قوله بعده:"و ما يهلكنا إلا الدهر"المشعر بالاستمرار.

فالمعنى: وقال المشركون: ليست الحياة إلا حياتنا الدنيا التي نعيش بها في الدنيا فلا يزال يموت بعضنا وهم الأسلاف ويحيى آخرون وهم الأخلاف وما يهلكنا إلا الزمان - الذي بمروره يبلى كل جديد ويفسد كل كائن ويميت كل حي - فليس الموت انتقالا من دار إلى دار منتهيا إلى البعث والرجوع إلى الله.

ولعل هذا كلام بعض الجهلة من وثنية العرب وإلا فالعقيدة الدائرة بين الوثنية هي التناسخ وهو أن نفوس غير أهل الكمال إذا فارقت الأبدان تعلقت بأبدان أخرى جديدة فإن كانت النفس المفارقة اكتسبت السعادة في بدنها السابق تعلقت ببدن جديد تتنعم فيه وتسعد ، وإن كانت اكتسبت الشقاء في البدن السابق تعلقت ببدن لاحق تشقى فيه وتعذب جزاء لعملها السيىء وهكذا ، وهؤلاء لا ينكرون استناد أمر الموت كالحياة إلى وساطة الملائكة.

ولهذا أعني كون القول بالتناسخ دائرا بين الوثنية ذكر بعض المفسرين أن المراد بالآية قولهم بالتناسخ ، والمعنى:"إن هي إلا حياتنا الدنيا"فلسنا نخرج من الدنيا أبدا"نموت"عن حياة دنيا"و نحيا"بعد الموت بالتعلق ببدن جديد وهكذا"و ما يهلكنا إلا الدهر".

وهذا لا يخلو من وجه لكن لا يلائمه قولهم المنقول ذيلا:"و ما يهلكنا إلا الدهر"إلا أن يوجه بأن مرادهم من نسبة الإهلاك إلى الدهر كون الدهر وسيلة يتوسل بها الملك الموكل على الموت إلى الإماتة ، وكذا لا تلائمه حجتهم المنقولة ذيلا:"ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين"الظاهرة في أنهم يرون آباءهم معدومين باطلي الذوات.

وذكر في معنى الآية وجوه أخر لا يعبأ بها كقول بعضهم: المعنى نكون أمواتا لا حياة فيها وهو قبل ولوج الروح ثم نحيا بولوجها على حد قوله تعالى:"و كنتم أمواتا فأحياكم": البقرة: 28.

وقول بعضهم: المراد بالحياة بقاء النسل مجازا ، والمعنى: نموت نحن ونحيا ببقاء نسلنا.

إلى غير ذلك مما قيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت