و قوله:"و ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون"أي إن قولهم ذلك المشعر بإنكار المعاد قول بغير علم وإنما هو ظن يظنونه وذلك أنهم لا دليل لهم يدل على نفي المعاد مع ما هناك من الأدلة على ثبوته.
قوله تعالى:"و إذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين"تأكيد لكون قولهم بنفي المعاد وحصر الحياة في الحياة الدنيا قولا بغير علم.
والمراد بالآيات البينات الآيات المشتملة على الحجج المثبتة للمعاد وكونها بينات وضوح دلالتها على ثبوته بلا شك ، وتسمية قولهم:"ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين"مع كونه اقتراحا جزافيا بعد قيام الحجة إنما هو من باب التهكم فإنه من قبيل طلب الدليل على المطلوب بعد قيام الدليل عليه فكأنه قيل: ما كانت حجتهم إلا اللاحجة.
والمعنى: وإذا تتلى على هؤلاء المنكرين للمعاد آياتنا المشتملة على الحجج المثبتة للمعاد والحال أنها واضحات الدلالة على ثبوته ما قابلوها إلا بجزاف من القول وهو طلب الدليل على إمكانه بإحياء آبائهم الماضين.
قوله تعالى:"قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون - إلى قوله - والأرض"ما ذكر من اقتراحهم الحجة على مطلوب قامت عليه الحجة وإن كان اقتراحا جزافيا لا يستدعي شيئا من الجواب لكنه سبحانه أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجيبهم بإثبات إمكانه الذي كانوا يستبعدونه.
ومحصله: أن الذي يحييكم لأول مرة ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة الذي لا ريب فيه هو الله سبحانه ولله ملك السماوات والأرض يحكم فيها ما يشاء ويتصرف فيها كيفما يريد فله أن يحكم برجوع الناس إليه ويتصرف فيكم بجمعكم إلى يوم القيامة والقضاء بينكم ثم الجزاء ، والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"و يوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون"قال الراغب: الخسر والخسران انتقاص رأس المال وينسب ذلك إلى الإنسان فيقال: خسر فلان ، وإلى الفعل فيقال: خسرت تجارته ، قال تعالى:"تلك إذا كرة خاسرة"ويستعمل ذلك في المقتنيات الخارجية كالمال والجاه في الدنيا وهو الأكثر ، وفي المقنيات النفسية كالصحة والسلامة والعقل والإيمان والثواب وهو الذي جعله الله تعالى الخسران المبين.
قال: وكل خسران ذكره الله تعالى في القرآن فهو على هذا المعنى الأخير دون الخسران المتعلق بالمقتنيات المالية والتجارات البشرية.
وقال: والإبطال يقال في إفساد الشيء وإزالته سواء كان ذلك الشيء حقا أو باطلا قال تعالى:"ليحق الحق ويبطل الباطل"وقد يقال فيمن يقول شيئا لا حقيقة له نحو"و لئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون"، وقوله تعالى:"خسر هنالك المبطلون"أي الذين يبطلون الحق.
انتهى.
والأشبه أن يكون المراد بقيام الساعة فعلية ما يقع فيها من البعث والجمع والحساب والجزاء وظهوره ، وبذلك صح جعل الساعة مظروفا لليوم وهما واحد ، والأشبه أن يكون قوله:"يومئذ"تأكيدا لقوله:"يوم تقوم الساعة".
والمعنى: ويوم تقوم الساعة وهي يوم الرجوع إلى الله يومئذ يخسر المبطلون الذين أبطلوا الحق وعدلوا عنه.
قوله تعالى:"و ترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها"إلخ ، الجثو البروك على الركبتين كما أن الجذو البروك على أطراف الأصابع.
والخطاب عام لكل من يصح منه الرؤية وإن كان متوجها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد بالدعوة إلى الكتاب الدعوة إلى الحساب على ما ينطق به الكتاب بإحصائه الأعمال بشهادة قوله بعده:"اليوم تجزون ما كنتم تعملون".
والمعنى: وترى أنت وغيرك من الرائين كل أمة من الأمم جالسة على الجثو جلسة الخاضع الخائف كل أمة منهم تدعى إلى كتابها الخاص بها وهي صحيفة الأعمال وقيل لهم:"اليوم تجزون ما كنتم تعملون".
ويستفاد من ظاهر الآية أن لكل أمة كتابا خاصا بهم كما أن لكل إنسان كتابا خاصا به قال تعالى:"و كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا": إسراء: 13.
قوله تعالى:"هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون"قال في الصحاح: ونسخت الكتاب وانتسخته واستنسخته كله بمعنى ، والنسخة اسم المنتسخ منه.