انتهى ، وقال الراغب: النسخ إزالة الشيء بشيء يتعقبه كنسخ الشمس الظل ونسخ الظل الشمس والشيب الشباب - إلى أن قال - ونسخ الكتاب نقل صورته المجردة إلى كتاب آخر وذلك لا يقتضي إزالة الصورة الأولى بل يقتضي إثبات مثلها في مادة أخرى كاتخاذ نقش الخاتم في شموع كثيرة ، والاستنساخ التقدم بنسخ الشيء والترشح للنسخ.
انتهى.
ومقتضى ما نقل أن المفعول الذي يتعدى إليه الفعل في قولنا: استنسخت الكتاب هو الأصل المنقول منه ، ولازم ذلك أن تكون الأعمال في قوله:"إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون"كتابا وأصلا وإن شئت فقل: في أصل وكتاب يستنسخ وينقل منه ولو أريد به ضبط الأعمال الخارجية القائمة بالإنسان بالكتابة لقيل: إنا كنا نكتب ما كنتم تعملون إذ لا نكتة تستدعي فرض هذه الأعمال كتابا وأصلا يستنسخ ، ولا دليل على كون"يستنسخ"بمعنى يستكتب كما ذكره بعضهم.
ولازم ذلك أن يكون المراد بما تعملون هو أعمالهم الخارجية بما أنها في اللوح المحفوظ فيكون استنساخ الأعمال استنساخ ما يرتبط بأعمالهم من اللوح المحفوظ وتكون صحيفة الأعمال صحيفة الأعمال وجزء من اللوح المحفوظ ، ويكون معنى كتابة الملائكة للأعمال تطبيقهم ما عندهم من نسخة اللوح على الأعمال.
وهذا هو المعنى الذي وردت به الرواية من طرق الشيعة عن الصادق (عليه السلام) ومن طرق أهل السنة عن ابن عباس ، وسيوافيك في البحث الروائي التالي.
وعلى هذا فقوله:"هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق"من كلامه تعالى لا من كلام الملائكة ، وهو من خطابه تعالى لأهل الجمع يوم القيامة يحكيه لنا فيكون في معنى:"و يقال لهم هذا كتابنا"إلخ.
والإشارة بهذا - على ما يعطيه السياق - إلى صحيفة الأعمال وهي بعينها إشارة إلى اللوح المحفوظ على ما تقدم وإضافة الكتاب إليه تعالى نظرا إلى أنه صحيفة الأعمال من جهة أنه مكتوب بأمره تعالى ونظرا إلى أنه اللوح المحفوظ من جهة التشريف وقوله:"ينطق عليكم بالحق"أي يشهد على ما عملتم ويدل عليه دلالة واضحة ملابسا للحق.
وقوله:"إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون"تعليل لكون الكتاب ينطق عليهم بالحق أي إن كتابنا هذا دال على عملكم بالحق من غير أن يتخلف عنه لأنه اللوح المحفوظ المحيط بأعمالكم بجميع جهاتها الواقعية.
ولو لا أن الكتاب يريهم أعمالهم بنحو لا يداخله شك ولا يحتمل منهم التكذيب لكذبوه ، قال تعالى:"يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا": آل عمران: 30.
وللقوم في الآية أقوال أخر: منها ما قيل: إن الآية من كلام الملائكة لا من كلام الله ومعنى الاستنساخ الكتابة والمعنى: هذا أي صحيفة الأعمال كتابنا معشر الملائكة الكاتبين للأعمال يشهد عليكم بالحق إنا كنا نكتب ما كنتم تعملون.
وفيه أن كونه من كلام الملائكة بعيد من السياق على أن كون الاستنساخ بمعنى مطلق الكتابة لم يثبت لغة.
ومنها: أن الآية من كلام الله ، والإشارة بهذا إلى صحيفة الأعمال ، وقيل: إلى اللوح المحفوظ ، والاستنساخ بمعنى الاستكتاب مطلقا.
قوله تعالى:"أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين"تفصيل حال الناس يومئذ بحسب اختلافهم بالسعادة والشقاء والثواب والعقاب ، والسعداء المثابون هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، والأشقياء المعاقبون هم الذين كفروا من المستكبرين المجرمين.
والمراد بالرحمة الإفاضة الإلهية تسعد من استقر فيها ومنها الجنة ، والفوز المبين الفلاح الظاهر ، والباقي واضح.
قوله تعالى:"و أما الذين كفروا أ فلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين"المراد بالذين كفروا المتلبسون بالكفر عن تكذيب وجحود بشهادة قوله:"أ فلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم"إلخ.
والفاء في"أ فلم تكن"للتفريع فتدل على مقدر متفرع عليه هو جواب لما ، والتقدير: فيقال لهم أ لم تكن آياتي تتلى عليكم ، والمراد بالآيات الحجج الإلهية الملقاة إليهم عن وحي ودعوة ، والمجرم هو المتلبس بالأجرام وهو الذنب.
والمعنى: وأما الذين كفروا جاحدين للحق مع ظهوره فيقال لهم توبيخا وتقريعا: أ لم تكن حججي تقرأ وتبين لكم في الدنيا فاستكبرتم عن قبولها وكنتم قوما مذنبين.